الإفلات من العقاب مقابل التسويات المالية
كامل كريم الدليمي
أثارت الدعوات المتداولة بشأن استرداد الأموال العامة من المتهمين بجرائم الفساد، بالتزامن مع الإعلان عن إخضاعهم للمساءلة القضائية، جدلاً قانونياً واسعاً حول طبيعة العلاقة بين التسوية المالية ومبدأ عدم الإفلات من العقاب. ويطرح هذا الجدل إشكالية جوهرية تتمثل في مدى إمكانية الجمع بين استرداد الأموال العامة وتحقيق العدالة الجنائية، دون أن تتحول التسوية إلى وسيلة للتهرب من المسؤولية القانونية. من الناحية القانونية، تمثل التسوية المالية إحدى الأدوات التي قد تلجأ إليها الدول لاسترداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد أو الاعتداء على المال العام، ولا سيما عندما يكون الهدف تحقيق مصلحة عامة تتمثل في استعادة الحقوق المالية للدولة بأسرع وقت ممكن. إلا أن مشروعية هذه الآلية وفعاليتها تظلان مرتبطتين بمدى خضوعها لضوابط قانونية واضحة تضمن عدم تعارضها مع مبدأ سيادة القانون ومبدأ المساواة أمام العدالة.
فإذا كانت الدعوات الحالية تستند إلى إرادة حقيقية لإجراء تسويات مالية مقرونة بمحاسبة قضائية فعلية، فإنها قد تشكل آلية استثنائية لاسترداد المال العام، شريطة ألا يترتب عليها انقضاء الدعوى الجزائية أو إعفاء مرتكبي جرائم الفساد من العقوبات المقررة قانوناً، لأن الوظيفة الردعية للقانون الجنائي لا تتحقق باسترداد المال وحده، وإنما تقتضي أيضاً مساءلة الجاني وتحميله المسؤولية القانونية عن أفعاله.
مفهوم التسوية
أما إذا كانت هذه الدعوات لا تستند إلى إطار قانوني واضح أو إلى إجراءات قضائية جادة، فإنها تثير إشكالية أخرى تتعلق بإمكانية توظيف مفهوم التسوية المالية كأداة سياسية أو إعلامية، بما يؤدي إلى إضعاف الثقة بمنظومة العدالة الجنائية. ذلك أن الإعلان عن استرداد الأموال دون وجود نتائج قضائية ملموسة قد يخلق انطباعاً بأن المسؤولية الجنائية أصبحت قابلة للتفاوض أو المقايضة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للعدالة وسيادة القانون.
وعليه، فإن معيار نجاح أي سياسة تستهدف استرداد الأموال العامة لا يقاس بحجم الأموال المستردة فحسب، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق معادلة قانونية متوازنة تجمع بين استعادة الحق العام، ومحاسبة مرتكبي جرائم الفساد، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب. فالدولة التي تسعى إلى مكافحة الفساد بصورة فعالة لا تكتفي باسترداد الأموال، وإنما تؤكد أيضاً أن العدالة الجنائية ليست محلاً للتسوية، وأن سيادة القانون تقتضي خضوع الجميع للمساءلة دون استثناء. ويبقى التساؤل القانوني قائماً: هل تمثل التسوية المالية وسيلة لتعزيز العدالة واسترداد الحقوق، أم أنها قد تتحول، في ظل غياب الضمانات القانونية الكافية، إلى آلية تؤدي عملياً إلى الإفلات من العقاب؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تتحدد بالخطاب الإعلامي أو السياسي، وإنما بما تفرزه الممارسة القانونية والقضائية من نتائج فعلية وشفافة .