مركز الدبلوماسية الإقليمية
هل تتحوّل بغداد إلى منصّة للحوار وصناعة التوازنات ؟
علي موسى الكناني
تشهد بغداد خلال المرحلة الحالية حراكا دبلوماسيا متصاعدا يعكس تحوّلا تدريجيا في موقعها الإقليمي، إذ تزامنت زيارات عدد من كبار المسؤولين مع مبادرات عراقية لاستضافة حوارات إقليمية ودولية، في مؤشّر على سعي العراق إلى ترسيخ دوره بوصفه جسرا للتواصل بين القوى المتنافسة، بدلا من أن يكون ساحة لتقاطع المصالح والصراعات.
فقد استقبلت بغداد وزير الخارجية الإيراني، إلى جانب مبعوث الرئيس الباكستاني، كما شهدت زيارة الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي، وهي زيارات جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يتسم باستمرار التوترات الأمنية والسياسية، إلى جانب التحولات التي فرضتها التفاهمات الأخيرة بين عدد من الأطراف الإقليمية والدولية.
ولا يمكن قراءة هذه التحرّكات بصورة منفصلة، بل تبدو جزءا من مشهد دبلوماسي أوسع يسعى فيه العراق إلى استثمار موقعه الجغرافي، وعلاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف. فمن جهة، تحتفظ بغداد بعلاقات سياسية، وأمنية، واقتصادية مع إيران، ومن جهة أخرى تطوّر علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، بالتوازي مع استمرار الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، فضلا عن علاقاتها المتنامية مع باكستان وعدد من الدول الآسيوية.
خلافات عميقة
وتبرز في هذا السياق الدعوة العراقية لاستضافة المباحثات الأميركية الإيرانية في بغداد، وهي خطوة تحمل أبعادا سياسية تتجاوز مجرد توفير مكان للاجتماعات. فاختيار بغداد، إن تحقّق، سيعكس حجم الثقة التي باتت تحظى بها لدى أطراف تمتلك خلافات عميقة، كما يمنح العراق فرصة لتعزيز صورته كوسيط قادر على توفير بيئة مناسبة للحوار وخفض التصعيد.
وفي الاتجاه ذاته، جاءت المبادرة العراقية الداعية إلى عقد مباحثات خليجية في إيران، وهي مبادرة يمكن فهمها ضمن سياسة تهدف إلى تشجيع الحوار المباشر بين دول المنطقة، انطلاقا من قناعة متزايدة بأن معالجة الأزمات الإقليمية تصبح أكثر استدامة عندما تعتمد على التفاهمات الإقليمية إلى جانب الأدوار الدولية.
إن تزامن زيارة وزير الخارجية الإيراني مع زيارة الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي يحمل دلالات سياسية مهمة، إذ يعكس قدرة بغداد على استقبال أطراف تختلف في كثير من الملفات، مع الحفاظ على علاقات متوازنة معها جميعا. كما أن استقبال مبعوث الرئيس الباكستاني يؤكد أن الاهتمام بالعراق لم يعد مقتصرا على جواره المباشر، بل أصبح يمتد إلى قوى إقليمية ترى في بغداد شريكا يمكن البناء عليه في ملفات الأمن والتعاون الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.
ويعتمد نجاح هذا الدور على مجموعة من العوامل، أبرزها استمرار السياسة الخارجية العراقية القائمة على مبدأ التوازن وعدم الانحياز، وتجنب الدخول في محاور متنافسة، إضافة إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي الذي يمثل شرطا أساسيا لنجاح أي دور دبلوماسي خارجي.
كما أن نجاح العراق في استضافة حوارات إقليمية من شأنه أن ينعكس إيجابا على مكانته الدولية، إذ يعزز ثقة المجتمع الدولي بقدرة بغداد على الإسهام في إدارة الأزمات، ويشجع على توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الدول التي تنظر إلى الاستقرار السياسي باعتباره عاملا أساسيا لجذب الاستثمارات.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق لا يخلو من التحديات. فالمنطقة ما تزال تشهد ملفات معقدة تتعلق بالأمن والطاقة والنفوذ الإقليمي، كما أن أي تصعيد مفاجئ بين القوى المتنافسة قد يؤثر في فرص نجاح المبادرات العراقية. إضافة إلى ذلك، يتطلب لعب دور الوسيط المحافظة على درجة عالية من الحياد السياسي، وتجنب إعطاء انطباع بانحياز بغداد إلى أي طرف على حساب آخر.
وفي المقابل، يمتلك العراق عناصر قوة مهمة تؤهله للاستمرار في هذا المسار، أبرزها موقعه الجغرافي، وعلاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف، وتجربته السابقة في استضافة جولات حوار إقليمية، فضلا عن رغبة العديد من الدول في إيجاد منصات حوار داخل المنطقة بدلا من الاقتصار على العواصم البعيدة.
اعادة تموضع
في المحصلة، تعكس الزيارات الدبلوماسية الأخيرة والمبادرات العراقية المتزامنة معها محاولة لإعادة تموضع العراق كلاعب دبلوماسي يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة. وإذا تمكنت بغداد من الحفاظ على نهجها المتوازن واستثمار هذا الزخم السياسي، فإنها قد تكرس مكانتها بوصفها إحدى أهم منصات الحوار الإقليمي، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار وفتح آفاق جديدة للتعاون في منطقة لا تزال تواجه تحديات معقدة، لكنها تمتلك في الوقت ذاته فرصا حقيقية لبناء منظومة إقليمية أكثر استقرارا من خلال الحوار والدبلوماسية.