الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اقتفوا أثر القاصات والغسالات

بواسطة azzaman

اقتفوا أثر القاصات والغسالات

ضياء واجد المهندس

 

إذا كانت الدولة جادة هذه المرة في فتح أكبر ملف لمكافحة الفساد في العراق، فإن النجاح لن يتحقق باعتقال بعض المسؤولين أو استبدالهم بآخرين، بل بالوصول إلى المنظومة المالية التي أبقت الفساد حياً طوال السنوات الماضية.

فالفساد في العراق لم يكن مجرد مسؤول يتسلم رشوة أو يختلس مبلغاً من المال، بل تحول إلى اقتصاد موازٍ له شبكاته وأدواته وحماته. وفي الأوساط السياسية والاقتصادية شاع استخدام مصطلحات غير رسمية مثل «القاصة» أو «الخزنة» للدلالة على الأشخاص أو الشبكات التي تتولى الاحتفاظ بالأموال غير المشروعة وتشغيلها بعيداً عن أعين الدولة، بينما يشار إلى من يتولى تحويل تلك الأموال إلى عقارات أو شركات أو مشاريع أو واجهات تجارية بمسمى «الغسالة»، في إشارة إلى عمليات إخفاء مصدر الأموال وإعادة إدخالها في الاقتصاد.

ومهما اختلفت المسميات، فإن المبدأ واحد: لا يمكن تجفيف منابع الفساد إذا بقيت شبكات إخفاء الأموال وغسلها بمنأى عن المساءلة القانونية.

إن أي حملة حقيقية يجب أن تتجاوز الأشخاص إلى الأموال نفسها. فالأموال المنهوبة لا تختفي، وإنما تنتقل من حساب إلى آخر، ومن شركة إلى أخرى، ومن عقار إلى مول، ومن معرض سيارات إلى مشروع استثماري أو تجارة استيراد وصيرفة. ولذلك فإن تتبع حركة الأموال وكشف المستفيدين الحقيقيين منها قد يكون أكثر أهمية من مجرد ملاحقة المسؤول الذي وقع على قرار أو صرف عقداً.

وتتداول الأوساط السياسية أحاديث عن احتمال اتساع حملة مكافحة الفساد لتشمل شخصيات سياسية بارزة. وإذا صحت هذه الأحاديث، فإن معيار النجاح لن يكون في اسم الشخص الذي يتم توقيفه، وإنما في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء أو انتقائية.فلا معنى لحملة تستثني رؤساء الكتل السياسية، أو رؤساء الحكومات السابقين، أو أي مسؤول سابق أو حالي، كما لا ينبغي أن يكون هناك استثناء للمسؤولين الذين تولوا مناصب اتحادية من إقليم كردستان أو غيره. فالمال العام العراقي ملك لجميع العراقيين، ومن يثبت بحقه ارتكاب جريمة فساد يجب أن يخضع للقانون بصرف النظر عن موقعه السياسي أو انتمائه أو قوميته.

كما أن العدالة تقتضي أن تشمل التحقيقات كل من أسهم في إخفاء الأموال أو غسلها أو استثمارها، سواء كان تاجراً أو مقاولاً أو رجل أعمال أو صاحب شركة أو مصرف أو مكتب صيرفة أو مستورداً، إذا ثبت تورطه وفق الأدلة والإجراءات القضائية. فهذه الشبكات تمثل الحلقة التي منحت الفساد القدرة على البقاء والتوسع.

إن استرداد الأموال المنهوبة لن يتحقق بالخطابات السياسية، وإنما عبر تحقيقات مالية احترافية، وتتبع التحويلات والأصول، والتعاون مع الجهات الرقابية والقضائية داخل العراق وخارجه، مع ضمان استقلال القضاء واحترام الإجراءات القانونية وحقوق المتهمين حتى تثبت المسؤولية بالأدلة.

لقد تعب العراقيون من حملات تبدأ بضجيج إعلامي وتنتهي بتسويات سياسية. وما ينتظره المواطن اليوم ليس اعتقال هذا المسؤول أو ذاك، بل بناء دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، وتستعاد فيها الأموال العامة، وتُفكك شبكات الفساد المالية التي شكلت لعقود الحصن الحقيقي للفاسدين.فإذا سقطت «القاصات» و»الغسالات»، سيسقط معها الجزء الأكبر من منظومة الفساد. أما إذا بقيت تلك الشبكات بعيدة عن المساءلة، فإن الوجوه ستتغير، لكن الفساد سيبقى ينتج وجوهاً جديدة بالطريقة نفسها.

 

 


مشاهدات 38
الكاتب ضياء واجد المهندس
أضيف 2026/07/04 - 12:09 AM
آخر تحديث 2026/07/04 - 1:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 119 الشهر 3290 الكلي 15908417
الوقت الآن
السبت 2026/7/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير