الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
معادلة التوازن الصعب.. الحياد الإيجابي والأمن القومي

بواسطة azzaman

معادلة التوازن الصعب.. الحياد الإيجابي والأمن القومي

سيف الدين زمان الدراجي

 

في بيئة دولية مضطربة تتسم بتصاعد حدة التنافس بين القوى الكبرى، و ما يدور حولها من صراعات إقليمية وفق الحسابات الدولية، ما عاد الحياد الإيجابي مجرد خيار دبلوماسي تقليدي، بل أضحى ضرورة استراتيجية للدول الإقليمية التي تسعى إلى حماية أمنها القومي ومنع تحول أراضيها إلى ساحة صراع بالوكالة.

لم يعد يعني الحياد الإيجابي في القرن الحادي والعشرين الانعزال أو الوقوف السلبي بين الأطراف المتنافسة، بل أصبح أقرب إلى مفهوم الاشتباك الذكي، أو ما يُعرف إصطلاحاً  بالانفتاح المحسوب على الجميع، وبناء علاقات متوازنة مع القوى المؤثرة، دون الميل الكامل لأي محور أو تبني أجندة أي طرف على حساب المصلحة الوطنية العليا.

هذه المعادلة تبدو واضحة في الحالة العراقية. فالعراق يقع في قلب توازنات معقدة تجمع بين الولايات المتحدة والصين وإيران، ولكل طرف من هذه الأطراف تأثيراته ومصالحه وأدواته. فواشنطن تمثل شريكاً مهماً في مجالات الأمن، التدريب، مكافحة الإرهاب، إصلاح المؤسسات، والارتباط بالنظام المالي الدولي. أما بكين، فهي شريك اقتصادي واستثماري كبير، لاسيما في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. في حين تمثل طهران جاراً جغرافياً لا يمكن تجاهله، بحكم ملفات الحدود والطاقة والتجارة والأمن والعلاقات الاجتماعية والدينية. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعدد هذه العلاقات، بل في كيفية إدارتها وقيادتها. فالمشكلة ليست في أن تكون للعراق علاقات مع واشنطن أو بكين أو طهران، بل في أن تتحول إحدى هذه العلاقات إلى أداة للإضرار بالسيادة أو إضعاف القرار الوطني. ومن هنا، فإن الحياد الإيجابي يجب أن يُفهم بوصفه سياسة فعالة لضمان الاستقلال، لا موقفاً رمادياً أو محاولة لإرضاء الجميع.

شراكات استراتيجية

يرتكز الحياد الإيجابي الفاعل والمؤثر على تنويع الشراكات الاستراتيجية. فالدولة التي تعتمد أمنياً أو اقتصادياً أو مالياً على محور واحد تصبح أكثر عرضة للضغط والابتزاز السياسي. أما الدولة التي تنوّع علاقاتها بذكاء، فإنها توسع إطار المناورة وتزيد من قدرتها على تعزيز قرارها المستقل. وفي هذا السياق، ممكن للعراق أن يحافظ على علاقته الأمنية والمؤسسية مع الولايات المتحدة، وأن يطور شراكته الاقتصادية مع الصين، وأن يبني على علاقة جوار متوازنة مع إيران، شرط أن تكون هذه العلاقات جميعها محكومة بالمصلحة الوطنية العراقية وبمؤسسات الدولة الرسمية. يتطلب الحياد الإيجابي القدرة على التحوط الاستراتيجي. والتحوط هنا لا يعني التردد أو الغموض، بل إدارة المخاطر وتقييمها بشكل مهني غير متحيز وعدم وضع كل الخيارات في سلة واحدة. فعندما تزداد الضغوط الدولية في ملف ما، تحتاج الدولة إلى بدائل مدروسة لا تقودها إلى مواجهة غير محسوبة. وعندما يتمدد نفوذ إقليمي لأي سبب كان داخل البيئة الوطنية، فستحتاج الدولة إلى تقوية مؤسساتها الداخلية وإعادة ضبط التوازن عبر القانون والسيادة والشراكات المتوازنة.

لعل من أهم شروط نجاح هذه السياسة هو أن يتحول العراق من ساحة صراع إلى منصة توازن. فالقيمة الاستراتيجية للعراق لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل من قدرته على أن يكون جسراً بين الشرق والغرب، وبين الخليج وتركيا وإيران، وبين المصالح الآسيوية والأوروبية. لكن هذا الدور لا يتحقق بالشعارات، بل ببناء دولة قادرة على ضبط حدودها، حماية مؤسساتها، إدارة مواردها، وفرض منطق الدولة على جميع الفاعلين.

وهنا تبرز أهمية الاقتصاد والممرات ومشاريع الربط الإقليمي. فهذه المشاريع لا تمثل  بنى تحتية فحسب، بل أدوات استراتيجية لتحويل الجغرافيا إلى قوة، وتحويل الموقع إلى قيمة مضافة في حسابات القوى الكبرى. وكلما ازدادت المصالح الاقتصادية الدولية المرتبطة باستقرار العراق، ارتفعت كلفة زعزعة أمنه على جميع الأطراف. ولعل كتاب تيم مارشال سجناء الجغرافية يوضح مدى أهمية هذا الطرح وملائمته.

يواجه الحياد الإيجابي تحديات كبيرة . أولها مُعضلة الثقة، إذ قد تنظر بعض القوى إلى الدولة المتوازنة بوصفها شريكاً غير موثوق لأنها لا تصطف بالكامل مع طرف واحد. وثانيها الضغط الداخلي المُسلط، إذ لا يمكن للدولة أن تمارس سياسة خارجية متوازنة إذا كان داخلها منقسماً بين ولاءات متعارضة. أما التحدي الثالث، فيتعلق باحتكار أدوات القوة، فلا يمكن الحديث عن حياد إيجابي حقيقي إذا لم تكن هناك قوى داخلية قادرة على اتخاذ قرارات سياسية و أمنية أو عسكرية خارج إطار الدولة.

حياد ايجابي

لذا، فإن مفهوم الحياد الإيجابي لم يأت من موقف ضعف، ولا هروباً من بعض الاستحقاقات، بل هو دبلوماسية معقدة تتطلب مؤسسات قوية، واقتصاداً مرناً، وجبهة داخلية متماسكة، وقراراً سيادياً موحداً. وفي الحالة العراقية، يمكن لهذه السياسة أن تكون مدخلاً مهماً لحماية الأمن القومي إذا تحولت من خطاب سياسي إلى عقيدة أساسية عملية تقوم على ثلاث ركائز: التحوط الاستراتيجي، تنويع الشراكات وتحويل العراق إلى منصة توازن لا ساحة للصراع.

في عالم اليوم، حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ و ممرات الطاقة والطرق الإستراتيجية التجارية والتكنولوجيا، لا تنجو الدول دائماً لأنها الأقوى، بل لأنها الأقدر على المناورة وحماية منظومة قراراتها. لذا فأن معادلة العراق اليوم لا تقوم على الاختيار بين واشنطن أو بكين أو طهران، بل على بناء دولة مستقرة قادرة على التعامل مع الجميع، دون أن تكون تابعة لأحد.

 

باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي

 


مشاهدات 71
الكاتب سيف الدين زمان الدراجي
أضيف 2026/07/03 - 11:13 PM
آخر تحديث 2026/07/04 - 12:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 35 الشهر 3206 الكلي 15908333
الوقت الآن
السبت 2026/7/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير