بين التسلّط والإستعباد.. التعسّف في إستعمال الحق
عباس التميمي
في المجتمعات الحديثة لا تُمارس الهيمنة دائماً بالقوة المجردة، بل قد تُمارس أحياناً تحت غطاء القانون نفسه. فالحق الذي وُجد لحماية الإنسان وتنظيم علاقاته قد يتحول، عند إساءة استعماله، إلى وسيلة للضغط والإكراه وإلحاق الضرر بالآخرين. ومن هنا نشأت نظرية التعسف في استعمال الحق بوصفها صمام أمان يمنع تحول الحقوق إلى أدوات تسلّط أو صور مستترة من الاستعباد.
فالإنسان حين يُمنح حقاً معيناً، سواء كان حق الإدارة أو الملكية أو التقاضي أو التأديب أو التعاقد، لا يُمنح سلطة مطلقة تمكّنه من إلحاق الأذى بالآخرين متى شاء، وإنما يُمنح هذا الحق لتحقيق غاية مشروعة يقرها القانون والمجتمع. فإذا انحرف صاحب الحق عن تلك الغاية، واستعمل حقه بقصد الإضرار بالغير أو لتحقيق مصلحة غير مشروعة، انتقل من دائرة المشروعية إلى دائرة التعسف.
ومن الناحية الفلسفية، يختلف التسلّط عن الاستعباد في الدرجة لا في الجوهر. فالتسلّط هو فرض الإرادة على الآخرين باستعمال سلطة أو حق قانوني، أما الاستعباد فهو المرحلة التي يفقد فيها الطرف الأضعف قدرته على المقاومة أو الاختيار نتيجة هيمنة الطرف الأقوى. وعندما يتحول الحق إلى أداة لإخضاع الآخرين وإرغامهم على قبول أوضاع مجحفة خوفاً من السلطة أو النفوذ أو العقوبة، فإن التعسف لا يعود مجرد مخالفة قانونية، بل يصبح شكلاً من أشكال الاستعباد المعنوي المقنّع.
ولذلك أدرك المشرع العراقي مبكراً خطورة إطلاق الحقوق بلا قيود، فنص في القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 على مجموعة من المبادئ التي تحكم استعمال الحق، ومن أهمها:
المادة (6) من القانون المدني العراقي: «يجب استعمال الحق واستيفاؤه بحسن نية.»
وهذه المادة تجعل حسن النية أساساً لممارسة الحقوق، فلا يكفي أن يكون الفعل مشروعاً من الناحية الشكلية، بل يجب أن يكون مشروعاً من حيث القصد والغاية أيضاً.
نص قانوني
أما المادة (7) فقد وضعت المعايير القانونية للتعسف في استعمال الحق، إذ نصت على أن:
«من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر، على أن استعمال الحق يكون غير مشروع إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير، أو كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر، أو إذا كان المقصود تحقيق مصلحة غير مشروعة.
ويتضح من هذا النص أن القانون العراقي لا ينظر إلى ظاهر الحق فقط، بل يتعمق في الغاية التي يراد تحقيقها منه. فليس كل من تمسك بحقه يعد محقاً، وإنما العبرة بكيفية استعمال هذا الحق والنتائج التي يخلّفها على الآخرين.
وجاءت المادة (8) لتقرر المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن التعسف، إذ أكدت عدم جواز الإضرار بالغير من خلال استعمال الحق، ورتبت التعويض عند وقوع الضرر.
وتظهر تطبيقات التعسف في استعمال الحق في الحياة اليومية بصورة واسعة؛ فقد يتعسف مدير في استعمال سلطته الإدارية ضد موظف لا لسبب مهني وإنما لتصفية خلاف شخصي، أو قد يستخدم صاحب عقار ملكيته بطريقة تضر بجيرانه دون منفعة حقيقية تعود عليه، أو قد يلجأ شخص إلى إقامة دعاوى قضائية متكررة بقصد الكيد والإرهاق لا بقصد حماية حق مشروع. وفي جميع هذه الحالات يكون الحق موجوداً، لكن استعماله خرج عن غايته القانونية والأخلاقية.
إن أخطر صور التعسف ليست تلك التي تقع خارج القانون، بل تلك التي ترتدي ثوبه. فالمستبد لا يحتاج دائماً إلى كسر القانون، بل قد يكتفي بالاحتماء بنصوصه وتأويلها بصورة تحقق مصالحه الخاصة. وعندئذ يصبح الحق أداة قهر، وتتحول السلطة المشروعة إلى تسلط، ويتحول التسلط مع الزمن إلى استعباد للإنسان وإرادته وكرامته.
ولهذا فإن العدالة لا تتحقق بمجرد الاعتراف بالحقوق، وإنما تتحقق أيضاً بوضع حدود أخلاقية وقانونية لاستعمالها. فالحق الذي لا تحكمه العدالة قد يتحول إلى امتياز، والامتياز إذا أُطلق بلا ضوابط قد يتحول إلى هيمنة، والهيمنة إذا استمرت دون رادع قد تصبح شكلاً من أشكال العبودية الحديثة.
وفي النهاية، يمكن القول إن التعسف في استعمال الحق ليس مجرد خطأ قانوني عابر، بل هو انحراف عن فلسفة الحق ذاتها؛ لأن الحقوق شُرعت لصيانة الإنسان لا لإذلاله، ولتحقيق التوازن لا لفرض الهيمنة. ومن هنا فإن مواجهة التعسف ليست دفاعاً عن القانون فحسب، بل دفاع عن الكرامة الإنسانية التي جعلها القانون غايته الأولى وسبب وجوده.