تجريد العراق من عناصر قوّته في زمن الإنهيارات الكبرى
حصر السلاح بين ضرورات بناء الدولة ومخاطر الإستباحة الخارجية
حيدر صبحي الجوراني
في ذروة التحولات الدولية والصراعات الإقليمية المتسارعة، يواجه العراق واحدًا من أخطر الأسئلة المصيرية في تاريخه الحديث: هل بات المطلوب من العراق أن يتخلى عن عناصر قوته في الوقت الذي تتكالب فيه القوى الدولية والإقليمية على المنطقة، وتتراجع فيه الضمانات الدولية لاحترام سيادته وأمنه واستقراره؟
إن الدعوات المتسارعة لحصر السلاح بيد الدولة تبدو، من حيث المبدأ، مطلبًا وطنيًا مشروعًا لا يختلف عليه اثنان، لأن بناء الدول الحديثة لا يستقيم مع تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري، ولا يمكن ترسيخ هيبة القانون بوجود قوى مسلحة خارج الإطار الرسمي للدولة. غير أن السؤال الأكثر عمقًا وخطورة يتمثل في توقيت هذه الدعوات، وفي البيئة السياسية والإقليمية المحيطة بالعراق، وفي طبيعة التهديدات التي تحيط به من كل جانب.
فالعراق اليوم لا يعيش حالة استقرار طبيعي تسمح بقراءة الملفات بمعزل عن الواقع الدولي والإقليمي. المنطقة بأسرها تغلي فوق صفيح ساخن، والحرب الأمريكية ـ الصهيونية ـ الخليجية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ألقت بظلالها الثقيلة على العراق، سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا، بالتزامن مع تقارير غربية تحدثت عن وجود قواعد ومرتكزات صهيونية ـ أمريكية مؤقتة في صحراء النجف، قرب أقدس بقاع العراق، فضلاً عن استمرار استباحة الأجواء والأراضي العراقية بصورة تكشف حجم التراجع في احترام السيادة العراقية.
وفي مقابل هذا المشهد المعقد، يبدو العراق اليوم أضعف من أن يفرض إرادته أو يحمي حدوده وأجواءه بصورة كاملة، ليس بسبب ضعف الإمكانات فحسب، بل نتيجة تراكمات سياسية عميقة امتدت منذ عام 2003 وحتى اليوم.
تداول سلمي
ففي السنوات الأولى بعد التغيير، كان العالم يتحدث عن مشروع لإنضاج العملية السياسية العراقية ودمج العراق ضمن المنظومة الدولية الداعمة للديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. كان العراق آنذاك يحظى باهتمام دولي كبير بوصفه تجربة سياسية ناشئة في قلب الشرق الأوسط. أما اليوم، فقد تراجع هذا الاهتمام بصورة واضحة، ولم يعد العراق ـ رغم ثقله الحضاري وثرواته الهائلة ـ يمثل أولوية لدى القوى الكبرى، الأمر الذي شجّع الطامعين والمتدخلين على التمادي في انتهاك سيادته والتعامل معه كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات والصراعات.
لقد أخفقت الحكومات المتعاقبة في بناء دولة قوية تمتلك قرارها السيادي الكامل،
كما لم تنجح في تأسيس مؤسسة عسكرية متطورة ذات عقيدة وطنية واضحة قادرة على حماية العراق من التهديدات الخارجية. والأخطر من ذلك، أن الطبقة السياسية الحاكمة اتسعت بينها وبين الشعب فجوة كبيرة نتيجة الفساد وسوء الإدارة واستباحة المال العام والابتعاد عن هموم المواطنين، الأمر الذي أضعف الجبهة الداخلية وفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية.
وحين تضعف العلاقة بين الدولة وشعبها، يصبح القرار الوطني هشًا، وتتحول السيادة إلى عنوان نظري أكثر من كونها واقعًا فعليًا. ومن هنا، استطاع الفاعل الخارجي أن يفرض أجنداته ورغباته مستفيدًا من الانقسام السياسي والهشاشة الداخلية وغياب المشروع الوطني الجامع.
ومع كل ذلك، يبقى من الضروري التأكيد أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل هدفًا وطنيًا لا خلاف عليه، لكن تحقيق هذا الهدف لا ينبغي أن يتم بطريقة تؤدي إلى تجريد العراق من عناصر قوته في لحظة إقليمية شديدة الخطورة. فالقوى التي حملت السلاح لمواجهة الإرهاب وأسهمت في منع سقوط بغداد وإنقاذ النظام السياسي عندما كانت الدولة على وشك الانهيار، لا يمكن اختزال دورها أو تجاهل طبيعة المرحلة التي نشأت فيها.
دولة قوية
إن أي مشروع جاد لحصر السلاح بيد الدولة يجب أن يكون جزءًا من مشروع سيادي متكامل، يقوم على بناء دولة قوية تمتلك قرارها المستقل، وتحظى بضمانات دولية حقيقية تمنع استباحة أراضيها وأجوائها، مع إعادة بناء الجيش العراقي وتسليحه بما يكفل حماية العراق ومياهه وسمائه وحدوده.
كما أن على الحكومة أن تستثمر عناصر القوة الوطنية، السياسية والشعبية والعسكرية، في إعادة تصحيح المسار السياسي، وتقليص الفجوة بين الشعب والسلطة، واستعادة ثقة الداخل والخارج بالدولة العراقية، لأن العالم لا يحترم الدول الضعيفة، ولا يعترف إلا بمن يمتلك القدرة على حماية نفسه وصيانة سيادته.
إن المشكلة في العراق لم تكن يومًا في وجود السلاح وحده، بل في غياب الدولة القادرة على احتكار القوة بعدالة وهيبة وسيادة حقيقية. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط تسليم السلاح، بل بناء وطن قوي يشعر فيه المواطن أن الدولة قادرة على حمايته من الإرهاب، ومن التدخل الخارجي، ومن الاستباحة، ومن الفساد في آنٍ واحد.
في المحصلة، فإن العراق اليوم يقف أمام لحظة مفصلية لا تحتمل التردد أو سوء التقدير، حيث تتقاطع التهديدات الخارجية مع هشاشة الداخل، وتتداخل مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي مع تعقيدات المشهد السياسي والأمني.
إن حصر السلاح بيد الدولة يظل هدفًا وطنيًا مشروعًا وضروريًا لبناء الدولة الحديثة، لكنه لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن بناء دولة قوية، قادرة على فرض سيادتها وحماية حدودها وأجوائها وقرارها المستقل، وإعادة الاعتبار لمؤسساتها الدستورية والأمنية والعسكرية .
فالعراق، وهو يواجه مرحلة غير مسبوقة من الصراع والتكالب الدولي، يحتاج إلى مشروع دولة حقيقية قبل أي شيء آخر، لأن الأوطان لا تُحمى بالشعارات،بل بعناصر القوة والسيادة، ووحدة الصف الوطني، وصلابة الإرادة السياسية، وتماسك الجبهة الداخلية، بما يضمن حماية العراق وصون كرامته وسيادته.