الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الرؤى المكثّفة للفن


الرؤى المكثّفة للفن

جاسم عاصي

 

إن الوقوف على دلالة اللون والخط في تجسيد الظواهر والحالات الإنسانية في اللوحة التشكيلية , يتطلب النظر إلى مكونات اللوحة واعتبارها وحدة سردية  متضامنة  . فحين يتصل اللون مجردا ً معمماً ومتخصصا ً بجهد إنساني كبير هو ـ الحضارة ـ , فإنه دال على اختي  ثيمة فلسفية فكرية  , ذلك لأن مجمل الدراسات المركزة والمكثفة أتت على اللون كأساس . ومن هذا المنطلق كانت الصلة مبنية على منطق الابتهاج والإشراق والزهو . فاللون عاكس للبهجة , وضامن للاستقرار والطمأنينة النابعين من الاتصال مع الحياة , والنزوع إلى المحافظة عليها , ومحاولة تطويرها . من هذا يكون مركز اللون نفسيا ً مرتبط مع البهجة التي تؤسس المنطق الذي ينبغي أن تكون عليه الحياة . وهذا يقود إلى البحث عن الآلية التي تتوافر على جهد التحقيق لا الادعاء الفضفاض . إن ارتباط اللون بالحضارة , يعني من مجمل ما يعنيه ؛ هو العلاقة مع الرؤى الكامنة في النفس الإنسانية , والباحثة في كل دأبها عن الأساليب الشفافة التي ترتبط بالروح في أشد مستوياتها تألقا ً وزهوا ً ، وهو موقف حازم ودال مقابل قبح الحياة التي نعيشها , ومحاولة البحث عمن ينقيها ويرتقي بها . فـاللون والحضـارة   رد على  الظلام والتخلف ، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار التناظر في الكون . فحين وصف الرب الكون لم يقل إلا ّ .. كان الكون عماء وظلام . ثم ابتدأ التشقق الذي أحدثه النور بلونه الصافي والمثير لجدران الظلام ( السود ) الذي يقود إلى الموت البطيء , بسبب ارتباطه باحتضار وموت عناصر الحياة . وما تلا فعل هذا التشقق من بهجة الألوان واتحادات المياه مع اختلاف درجة عذوبتها ـ اعتماداً على ملحمة الخليقة البابلية ـ  كان اللون أساسا ً, فهو متشكل                            أ ُسطوري يماثل علاقة الألوان والخطوط والانحناءات والكتل بمنطق الأسطورة , لأنه يحيل إلى ما هو ضمن التشكل الداخلي في لوحة الكون وليس في خارجه . وكذلك تفعيل اللوحة , بسبب كونيتها في التشكل  . ولعل التأكيد على بهجة اللون , دليل على جـُهد الفنانين  أولئك الذين أشّروا عبر لوحاتهم على واقعهم المرير والمفرح , كما عبّر الفنانون عما يدور في فلك الحياة  . إن ربط اللون بالحضارة يعني  تأكيد قول الرسام ( ديلاكروا) من أن عمل الرسام بدون تلوين هو إيضاح وليس رسم . إذا كان القصد عملا ً غير النقش . فاللون بالتحديد هو الأساس الجوهري للرسم , وهو يعطي مظهر الحياة         

مشاهد  زاخرة                                    

إذا ما وقفنا أمام تجارب متباينة للفنانين في العالم من خلال  رؤاهم وآلياتهم ونظرتهم الفلسفية للحياة , فأنها لا تتقاطع مع دور الفن ووظيفة  في الحياة . إننا بإزاء مشهد في مجموعة  مشاهد زاخرة بالتجارب , أستطاع الفنان أن يعكسها بكثافة متميزة معتمدا ً الآلية الكاشفة عن الخصائص الذاتية للفنان عبر لوحاته .

 ففن ( الهايبرالية ) وهو فن الواقعية التي تضخم الواقع وتبالغ في تصويره . تنطوي على  توجهات معنية بالواقع عبر الاستعاضة عنه بما يشبه المسوخ وهو عالم  افتراضي , وهذا شأن الإبداع في الفن , في كونه يحقق الرؤية التي عليها المبدع , فيما هي محققة لنظرات الآخر الذي يواءم مع ما يبصر ويشاهد ويتفحص . أو كما قال عنها ( أمبرتو إيكو ) الكذبة الموثوق بها . وهنا يعني الصلة التي يقيمها الفن مع الآخـر , عبر التداول المستمر , بمعنى إقامة جسور العلاقة بين الفن والمشاهد الذي يئم قاعات العرض طواعية . وهنا لابد من التأكيد  على مثل هذه التوجهات في الفن التشكيلي وفن التصوير الفوتغرافي ؛ في كونهما يخلقان واقعاً غير موجود من خلال استخدام الإشارات المستلة من الواقع حصرا ً .ولعل الفنان الأسترالي ( رون ميوك ) خير  مثال لمثل هذا التوجه , استنادا ً إلى  رؤية الفنان نفسه للواقع الذي يصفه بفاقد الإثارة وبالتالي أفقدنا الإثارة أيضا ً . وهذا سببه فقداننا الإحساس بجمالية الحياة . ويرجع السبب في ذلك إلى سلطة الآلة الصناعية , والعلاقات التي تبتكرها آلية الصناعة وما تخلقه من منظومات فكرية تطغي على رهافة   أحساسنا بالجمال . وهو فعلا ً عمل صادم كما وصفه النقاد . فالناظر إلى لوحة الفتاة وجسد الرجل العاري , التي تشكل بالنسبة لجسده مفارقة نسبية دالة . إضافة إلى ماجسده الفنان عبر نظرتي الفتاة والرجل من بـُعد رؤيوي يشي بما هو خارج الصورة . فعلى الرغم من ضخامة الجسد واكتماله , إلا ّ أنه يشير إلى  رؤية بالنسبة للفتاة وهو  أمر يؤكد  صورة مثيرة , ليس بشكلها الظاهر , وإنما من خلال ما تضمره الفتاة من نظرات مسبقة . فالذي يحصل في الصورة هو حوار صامت تشي به مكونات ظاهرة وخفية في آن واحد . وكذلك الصورتان للرأس المغمضة العينين , والمشير إلى ما تتوصل إليه المشاهدة في علاقتها بالمكون الداخلي للمشاهد , أما الثاني فإن المفارقة بين نظرة الشكل للصبي , ونظرة المرأة والرجل , كذلك في دلالة الشباك المفتوح في القاعة . المفارقة توحي بالحرية المفقودة عند الصبي , تقابلها الحرية عند النموذجين مركزة في الدخول . لكن الإشارة تؤكد على التماهي والخدعة البصرية بدلالة الفقدان عند الطرفين .

حدود الاشكال

فيما أشار إلى أن الفنان ( فابيو ماريا ليناري ) وهو إيطالي ؛ في كونه ذو أسلوب تعبيري  وسطوة لونية تتلاشى معها حدود الأشكال المتضمنة في العمل . لقد عُدَّ اللون في التعبيرية واحد من الوحدات المهمة والأساسية في اللوحة . لذا لابد من التأكيد على علاقة اللون بلوحات الفنان هنا , انطلاقا ً من العلاقة المضطربة بالواقع , واقع المدينة وليلها الذي يـُقشـّر الوعي ويبقي المرء منقطع الأنفاس بإزاء جمود المدينة وقلبها البارد . ولعل اللوحات قد أشارت إلى مثل هذا الانطباع الذي يوحي بعدم التوازن عبر ارتفاع الهياكل بعضها على بعض , وضبابية الفضاء , فيما تعبـّر لوحة أخرى عن النسبة التي تشكلها امتدادات الهياكل إزاء الفضاء على العكس من اللوحة  التي يطغي على كادرها الهياكل . كما تؤكد لوحة ثانية على المفارقة بين الأشكال القريبة والبعيدة . ولما كان اللون , وحدة أساسية في اللوحة , لأنه ينقل المشاهد من منطقة معرفية ورؤيوية إلى  أخرى , بمعنى لا يكتفي بما يوحيه في سطح اللوحة وداخلها , , وإنما يحيل إلى خارجها , وذلك باتصاله مع مجموعة علاقات تعطي معاني متعددة , فهو هنا بمثابة الشفرة التي تنبئ بمفاهيم  أخرى . وبذلك فهو يوسع دائرة المعنى في مجموعة علاقات فنية ـ نصية . لذا فاللون له علاقته بالتجريد , فإن الثاني يحرر طاقته من المحددات الشكلية المسبقة , استنادا ً لمفهوم ( أينشتاين ) للطاقة .

إن  الفنان الكولومبي ( كارلوس جاكاناميخوي )  عكس شدة الالتباس بين الفن والإنسان , الذي يوحي بالمفارقة وتوفر الفراغ بين الطرفين وذلك لأسباب كثيرة منها علاقة الإنسان بالوجود المادي البحت وعدم اعتماده على وعيه الخاص بالعالم . مما أضفى إشكالية معرفية طغت في معظم ما طغت على العلاقة بالفن حصرا ً . وهنا تكون محاولة إزاحة مثل هذه الرؤى تتطلب حسب ما يراه منظرو التجريد ؛ الصفاء الروحي بالنسبة للمتلقي , وخلق علاقة مباشرة بين اللون وبين الإحساس المجرد لخلق حالات تبرير لمثل هذه العلاقات . وهنا تجدر الإشارة إلى أن ثمة أمثلة يمكن استنباطها من أعمال  الفنان المذكور , ومنها نظرته لقرص الشمس وما يوحي به من دلالة . فالفنان يمكنه أن يجد علاقة إيجابية بين اللون الأسود داخل اللوحة ويعتبرها محطة استراحة كما في إحدى لوحاته  .

كذلك نجدها في لوحات  أخرى من خلال إيجاد علاقات جدلية بين الألوان وتناغمها عبر إحداث نوع من السردية القائمة على توفر السببية في العلاقة وتناغم التدرج اللوني , حتى لو كان محدثا ً قطعا ً كما هو اللون الأسود مع الأبيض مثلا ً,غير أن التجاوب الهارموني يعطي مثل هذا الانسجام الذي يضفي على اللوحة بعامة تقبلا ً لما تحتويه من انعكاس لمعاني توحي بها كل مكونات اللوحة على اختلاف المشاهدين . وفي أحدى اللوحات  نجد أن السطوع الذي يضفيه على سطح اللوحة ومكوناتها يكون أشبه بنور القمر الذي يكشف الزوايا بالرغم من انتشار مكونات اللون الأسود . ودلالته السببية .

إن ما أثار الفنان كما الأدباء والمبدعين بعامة ؛ هي العلاقة القائمة بين الروح والمادة , متمثلة في علاقة الروح بالجسد . لا  سيّما جسد المرأة وجلاله . إن هذا الحراك الذي هو في الأساس حراك فكري جمالي يؤكد على أن ( أدوار مونيه ) مثلا ً جعل الفتاتين العاريتين في اللوحة تنظران إلينا .

وهو بذلك أنزلها من عرش الأنثى المقدس بمحاورتها للمتلقي عبر الجسد والروح معا ً  . وهو بذلك أعطى لنموذجه الأنثوي قدسية أخرى متحركة ونامية متشكلة من رؤية المشاهد لها على قماش اللوحة وعدم إبقاءها محنطة داخل اللوحة .

بمعنى أحدث تجاوبا ً بهذا الانزياح الرؤيوي , على العكس من الفنان الكلاسيكي الذي تكون نساؤه   خالدات وعلويات . وهذا يتجسد من طبيعة الممارسة التي تجريها النماذج الأُنثوية داخل اللوحة عند كلا الاتجاهين , وما تؤل إليه العلاقة ودلالتها التي تبشر بأفعال سردية خالصة تعطي مفهوما ً حياتيا ً ودرسا ً في ما تعنيه القدسية للجسد الأ نثوي , وكذلك تجديد النظرة لهذا الكائن الذي يوحي بالممكنات واللاممكنات بالتعبير السايكولوجي والإنثربولوجي وحتى المثيولوجي . وهنا يمكن اتخاذ  الفنانة الإنكليزية ( ستيفاني روو ) مثلا ً في التعبير عن هذا النمط, ومن لوحاتها أ نموذجا ً للتطبيق . وهذه الرؤية تطورت فـي الغرب المعاصر باعتبارها تمثل نظرة متوازنة للجسد الأنثوي انطلاقاً من مصممي الأزياء الذين  أخذوا ينظرون إلى وظيفة الزي بوصفها ليست هي  التغطية الأنيقة للجسد بقدر ما هو  الإظهار الأنيق له . لذا فـ ( ستيفاني ) تؤمن بأن الجسد هو خير من ينقل الرسائل , انطلاقا ً من إيمانها بأنه الوجه الدنيوي لروح المرأة , وأن روح المرأة وجسدها كيان واحد . وهذا يحيل إلى مفهوم أساسي في الوجود , كوننا  لا نحتاج إلى هذا الجسد الدنيوي وهو يتلبس بالقدسية لكي نراه كما يجب  بعيدا ً عن دوافعنا الدنيوية , وإنما علينا أن نرى كيف تعيش المرأة مع جسدها لنفهم حقيقته وحقيقة الروح التي يمثلها . لقد لخصت رؤية ( ستيفاني ) ونظرتها للجسد وعلاقته بالروح من خلال التأكيد على إيمانها بقدرة هذا الجسد المقتصد في إيماءاته والمتحفظ في ظهوره على أن يؤكد توحده مع امتداده الروحي . وقد أكدت اللوحات على أن نماذج لنساء , كانت قد طغت على أشكال وجودها داخل اللوحة صفة التأمل بالجسد أولا ً من خلال ما منحه من هيبة التأمل , لا سيّما في ما هو خارج الوجود فالأولى منشغلة وبارتخاء فيما يوحي به الذهن وما يؤكد ذلك اعتمادها على اليدين فواحدة كانت قد استندت عليها والأخرى أرختها على الفخذ . وقد أسهمت الخطوط والظلال في تجسيد مثل هذا المعنى . بينما الثانية أتاحت للمرأة شدة انشغالها بما هو مبصَر أسفل قدمها على الرغم من نصف عريها , حيث لم يشكّل مثل هذا المشهد شيئا سوى نظرة التأمل هذه . في حين كانت الثالثة قد أوحت بشدة محافظتها على خزينها الأ ُنثوي من اعتبارات اجتماعية وأ ُسرية فوضعت كفيها على منطقة حساسة بينما ضغطت على قدميها على بعض , دليل وضعها النفسي وما سببه لها إظهار قطع من جسدها (كموديل ) . هذه المتشكلات في اللوحات أظهرت بشكل قاطع رؤية ( ستيفاني ) على الرغم من محدودية النماذج .

 إن ما يحيط الفنانين من حراك فني وحضاري ,  أسهم في تجلي المشهد عبر جعل اللوحة بمثابة إيقونة دالة , مستلهمة من روح البنية التي عليها أفكار الفنان المتجسدة في مشهده التشكيلي ـ اللوحة ـ , وبذلك تندرج  ضمن آلية الكشف واستشراف القراءة . وهي إشارات مدروسة وإن صدرت بعفوية إنتاجية مستوعبة الخصائص الذاتية والموضوعية , ودلالاتها تتركز في  شعريتها حصرا ً واتخاذها ناصية الاختزال الموحي الذي لعبت في تشكّل بنيته الشعرية وليس المنحى الدراسي فقط . فـ ( الهايبريالية ، نيويورك فتاة الليل ، الجسد صوت الروح ، المدينة الفارغة ، للحي فضاء الجسد ، الطفل الهارب من الجنة ، للون جسد أعمق )  خير مثال على ما نقول , لأننا نراها اكثر تعبيرا ً وشدا ً للمتلقي بما توحيه من دلالة موجهة للقراءة . ولعل عنوان مثل ( الذين نسيتهم الآلهة ) ما يؤكد حسنا القرائي هذا , بخصوص أعمال الفنان الدنماركي ( يان أيسمان ) ولنوجه قراءتنا إلى اللوحات الأربع فقط  . إن العلاقة بين العنوان هنا ومحتوى اللوحة واضح من خلال الجدلية التي إنبنت عليها اللوحة عبر طبيعة العناصر التي احتوتها القماشة من جهة , ومن خلال السردية التي تحكمت بالأفعال الموحية ببعدها الفكري المحض من جهة أخرى . فلوحة ( الجدار الأسود ) ثمة مكان ينشطر إلى نسبة كبيرة من الظلام غير الطاغي والضوء الذي يتداخل من مصدر يكشف الأجزاء . الظل والضوء يندمجان في حركات هي أقرب إلى الهندسية , بمعنى أن هنالك إيحاء بنظام ما يتحكم بالمشهد خارج وجود النماذج التي هي امرأة تقابل رجلا ًوعلى  عري جسدي , تسترهم قطع من القماش . يفصل بينهما مربعات توحي بتوفير قدرة على اجتيازها , لأن كل ما يحيط بين الكائنين هو محاولة الاقتراب من بعض في الجانب الآخر القريب ثمة طفل يتخذ من أحد المربعات مكانا ً لجلوسه . فإذا كان الاثنان يحتلان مستطيلات لونية خمسة , فالطفل يحتل مثلها . إذ نلاحظ أن المرأة قد اجتازت المربع ووقفت على أعتاب الأبيض , بينما الرجل يضع نصف قدمه على الأسود والآخر بنصفه على الأبيض , بينما الطفل يحتل الخط الفاصل بين الأسود والأبيض , وهذه إشارة على محنة بايلوجية إنجابية . ولعل الإقتراب والحركات ذات البنية الإخصابية دليل على تبدي الوجه الآخر لعلاقة الجسدين إنتاجيا ً . ( استعملنا اللونين في الشرح لتوفرهما في اللوحة حسب الطبع وليس اللون ) وثمة كوز ماء موضوع على مدرج يكشفه ضوء باهر . المرأة مطأطئة رأسها كأنها في حيرة من أمرها , أو أنها عاجزة عن الإجابة بينما الرجل يبسط ساعديه  مظهرا ً تساؤله . هذا المكون من حراك وحيثيات في الخطوط والظلال والضوء تمنحان المشاهدة حراكا ً قرائيا ً فالذين نستهم الآلهة هم في حيرة من أمرهم في ما يخص العطاء البايلوجي الذي يشكل سر الحياة وديمومتها متمثلا ً بالطفل المرتقب . وما شكل المحتويات سوى إجابة تنطوي على فقدان الإرادة , مما يوطد العلاقة بين العنوان ومحتوى اللوحة آنف الذكر عند الفنان . أما في لوحة ( أربعة توائم تتعبد بركانا ً ) فهي لا تختلف في معناها عن الأولى فالأجساد العارية التي تؤدي حركات تسلبها إرادتها وتضعها في منتصف الفاصلة في الضياع العام وهي تقدم آخر قربان للآلهة , فهي منسية تماما ً بسبب تيهها . في ماتكون لوحة ( اللؤلؤة الزرقاء ) على كثافة من المفارقات بين  الرجل والمرأة وهما على افتراق محيـّر لهما . تكبل المرأة يديها في حجرها , وأقول تكبل بسبب العلاقة بين حركة الكفين والساعدين ورفع الرأس تضرعا ً للسماء . وهو طقس للعبادة والتضرع إلى مكان الآلهة في الأعالي . وهو معتقد متجذر في تأريخ البشرية في علاقة السماء بالرب وعرشه . في حين نرى الرجل يشبك ساعديه على ساقيه مطأطئا ً رأسه في يأس تام , وعلى جانبهما جسد مسجى ملفوف في قماشة توحي بالكفن . مع إناءين للماء ليس بعيدا ً عنهما . وثمة فضاء مفتوح . هذه المكونات تضعنا أمام حالة إنسانية خاصة , تشير إلى الحيرة بالنسبة للكائنات المحبطة , مقيدة بسؤالها الأزلي في الوجود , فهم منسيون فعلا ً . أما دلالة لوحة ( الحافـّة الذهبية ) وهو عنوان كنائي يمنح المعنى الآخر خارج دائرة الإشارة المكنية هذه . فالجسد العاري يحتل ثلث المسافة العمودية فهو يجلس على منصة هي عبارة عن خط , في حين يدلي بعمود إلى الأسفل يوحي بالقياس الذي يتعمده النموذج للتعرف على مبلغ افتراقه ونأيه عن الأرض . فمكانه دال على منفى جسدي قسري . وهنا تتجلى علاقة العنوانات بالمحتوى , التي تبدو إنتاجيا ً زاخرة بالبلاغة في التعبير .

ولعل خير ما يشغل المبدع هو المكان  ضمن علاقات المدن وأشكالها وهيئاتها وتأثيراتها على الإنسان . فالمكان  هو الوجه الآخـر للروح . وهذا القول يفتح الآفاق للعلاقة مع المدن التي تبدو على وفق رؤية الفنان وتجربته على تباين واختلاف في البنية الذاتية , سواء للمدينة أو النموذج , ذلك لأن شكل المدينة في اللوحة هو استبصار للرؤية الذاتية الناتجة عن مجموعة متحكمات بالسلوك والتأمل . إن ما يتجسد على قماش اللوحة , هي مجموعة خطوط تجمع بين الظل والضوء , ومن مجموع هذه العلامات الباهرة تتشكل الرؤية للمكان بكل تفاصيله , انطلاقا ً من العلاقة بين المكان والروح , ومستوى تجاوبهما مع بعض , ودرجة تناغمهما وانجذابهما ونفورهما عن بعض . كل هذا يتمثل في اللوحة باعتبارها الآلية التي تشكل الأداة عند الفنان . فالمدينة تغدو في هذا أشبه بالحلم الزاخر بالمتنافرات والإنجذابات , بالاطمئنان الذي يوحي بالبقاء , والقلق الذي يؤدي إلى النفور , وجميعها حالات إنسانية تشير إليها اللوحة عبر الضربات اللونية ,لا سيّما ضربات الفرشاة ذات الإيقاع الحاد , والتي هي بديل عن الصرخة مثلا ً , كذلك تشكل المحتويات ووجودها داخل المكان وسكونها كالأواني والخزائن والطاولات وغيرها من محتويات المكان فمدن ( غوستافو آكوستا ) مثلا ً أكثر دلالة على الوحدة والوحشة وهذا ما تجسد في لوحاته التي احتوت (الجسور ، المدرجات ، المداخل ، الأفق ) . إذ تبدو على معاني هذه الأشكال الظاهرة أنها توحي بمعان أخرى لم تـُعلَن , فلوحة الجسر افتقدت لحيوية الإنسان , وكذلك لوحة المدرجات والهياكل الضخمة . هذه الأشكال للمدن تبدو على حالة من الوحشة بسبب السكون الذي يلفها , والمقارنات التي تـُحدثها الأبعاد الهندسية . ناهيك عن لوحة الشوارع المتقاطعة ودلالة عمود الكهرباء الساقط على الأرض . والعتمة التي تلف الكادر خلف الشارع .

ولعل الفنان ( دييغو ريفيرا ) يذكرنا بالفنانة المكسيكية ( فريدا كاهلو ) وعذاباتها النفسية , التي أعطت لنماذجها صفة التأمل والاستبصار في ما هو (موديل) مستنبتة في اللوحة ما هو مضمر في قاع النفس الإنسانية . والذي يذكرنا بها هو شدة اهتمام الفنان ( دييغو ) وولعه بالأشياء والنماذج البشرية , حيث يعكسها على ضخامة مبالغ بها . إن مرد هذا يعزى إلى حب الفنان لإنسان هذه الأرض ونظرته له , فلوحاته تعكس معاناة الإنسان وشدة حيرته في الوجود وهو يمارس طقوسه اليومية التي تربطه بالحياة جدليا ً .

وأعتقد أن محطتنا الأخيرة  بشأن الفنان الأمريكي ( أندروويث ) وواقعيته الشعرية وخصوصياته اللونية . إذ أن ألوانه باردة صحراوية . فلوحاته مفعمة بحالات الانتظار والتطلع والانكشاف للطبيعة عبر إقامة صلة معها . هذه الصلة مبنية على شعرية خالصة , فالطبيعة ملاذ روحي كما تبدو في اللوحات . ففي لوحة ( الشتاء ) نجد النموذج يسبح في فيض الرمال منحدرا ً بلذة فائقة بتدرج توحي به الحركة داخل اللوحة التي تغادر سكونيتها . بينما لوحة ( ريح البحر ) على درجة من الحلمية والرومانسية , لا سّيما في شفافية الستائر التي تشبه نسيج العنكبوت رقة , تهدهدها ريح خفيفة على إيقاع موسيقي أمام فضاء ينفتح أكثر على النافذة . بينما في عالم كريسينا المتشبثة بالأرض والمتطلعة إلى بيوتات  تمارس حلما ً آخاذا ً واضحا ً بعيدا ً عن الاستلاب والمحق . إنها فضاء يتخلله رؤى وأفعال دالة على العلاقة المكينة بالحياة متمثلة بالخلاء المنفتح وهي الألوان التي توصلنا إلى نصف الطريق في لوحة ريح الشتاء حيث الانتظار .  إن هذا الفنان قد وجد على أرضه التي ظل فيها وفيا ً لطقوسها وزمنه الحقيقي . لقد جعلنا ( أندرو  ويث ) نكتشف في عالمه صورة لزماننا الذي أضعناه في رحلة الحياة , ودلنا على طريق يربطنا به من خلال انتمائه الحقيقي للمكان ... وشعريته .


مشاهدات 50
الكاتب جاسم عاصي
أضيف 2026/06/03 - 5:19 PM
آخر تحديث 2026/06/04 - 11:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 472 الشهر 3405 الكلي 15878886
الوقت الآن
الخميس 2026/6/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير