بعد أزمة هرمز: هل ينجح العراق في تأمين شرايين نفطه؟
رمزي ميركاني
يواجه العراق اليوم تحدياً وجودياً يهدد استقراره المالي والسياسي، نابعاً من اعتماده المفرط وشبه الكلي على مضيق هرمز كمنفذ وحيد لتصدير ثروته النفطية. ففي ظل واقع اقتصادي يعتمد فيه العراق على النفط لتمويل أكثر من 90% من موازنته العامة، تبرز خطورة الموقف حين نعلم أن 94% من هذه الصادرات تمر عبر هذا المضيق الاستراتيجي. هذا "الارتهان الجغرافي" جعل بغداد في سباق مع الزمن للبحث عن مسارات بديلة عبر دول الجوار، إلا أن هذه المحاولات تصطدم بعقبات لوجستية، سياسية، وأمنية تجعلها أقرب إلى "الأحلام البعيدة" منها إلى الواقع الملموس، وفقاً لتقرير معهد "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
لقد كشفت التوترات الإقليمية الأخيرة وهجمات الجماعات المسلحة على البنى التحتية النفطية عن هشاشة المنظومة التصديرية العراقية. فبحسب الأرقام، شهد إنتاج النفط في الحقول الجنوبية تراجعاً حاداً في مارس الماضي، حيث انخفض من متوسط 4.3 مليون برميل يومياً إلى نحو 800 ألف برميل فقط، قبل أن يعاود الارتفاع تدريجياً. هذا التذبذب لم يكن ناتجاً عن نقص في الموارد، بل كان إجراءً وقائياً وتأثراً مباشراً بتهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ، بالإضافة إلى غياب أسطول بحري وطني وقلق الشركات الأجنبية من ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر الأمنية في مياه الخليج.
في إطار سعيها لتنويع المنافذ، أعادت بغداد التركيز على خط أنابيب كركوك-جيهان التركي. ورغم الإعلان عن استئناف التصدير بقدرة أولية بلغت 250 ألف برميل يومياً، إلا أن الأرقام الفعلية ما تزال دون الطموح. يسعى العراق للوصول بهذا الخط إلى 650 ألف برميل يومياً (تشمل نفط الإقليم والحقول الاتحادية)، لكن هذا الرقم يظل متواضعاً أمام الحاجة الكلية التي تتجاوز 3.4 مليون برميل. وما يزيد المشهد تعقيداً هو الملف القانوني، حيث تلوح في الأفق نوايا تركية للانسحاب من اتفاقية خط الأنابيب (ITP) بحلول عام 2026، مما يضع هذا الخيار على المحك.
لم تتوقف المحاولات العراقية عند تركيا، بل امتدت لتشمل تفعيل النقل البري عبر سوريا وصولاً إلى ميناء بانياس. إلا أن هذا المسار يعاني من محدودية السعة التصديرية التي لا تتجاوز 15 ألف برميل يومياً، فضلاً عن العقبات الإدارية ومخاطر الهجمات الإرهابية في المناطق الحدودية. أما الخيار السعودي المتمثل في خط "IPSA" الواصل إلى ميناء ينبع، فهو معطل منذ مطلع التسعينيات، وتحديات إعادته للخدمة تتجاوز الجانب الفني لتصطدم بالتعقيدات السياسية الإقليمية والحاجة لاستثمارات ضخمة لإعادة التأهيل.
إن الجهود الحكومية لتخصيص مبالغ مالية (نحو 1.5 مليار دولار في عام 2026) لتطوير خطوط أنابيب جديدة مثل خط (حديثة-فيشخابور) تعكس إدراكاً متأخراً لخطورة الموقف. إن العراق اليوم يدفع ضريبة سنوات من الإهمال لتطوير بدائل استراتيجية، وهو الآن يقف أمام خيارات صعبة؛ فالبنى التحتية المتهالكة تحتاج إلى وقت طويل واستثمارات هائلة لكي تصبح بدائل حقيقية لمضيق هرمز. وفي ظل الانقسامات الإقليمية، يبقى أمن الطاقة العراقي رهينة للجغرافيا السياسية، مما يجعل "النجاة الاقتصادية" مرتبطة بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه "الأحلام البديلة" إلى واقع ملموس قبل وقوع أي كارثة تغلق بوابة الخليج بصفة نهائية.