الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رضا الأعرجي: سيرة المعنى بين المنفى والكتابة


مبدعون في الذاكرة (56)

اضاءه مهنية لا دراسة نقدية

***********************

رضا الأعرجي: سيرة المعنى بين المنفى والكتابة

ياس خضير البياتي

****،******************

حيث يتداخل الألم مع الأمل وكأنهما وجهان لقدرٍ واحد، يظهر بعض الكتاب ليس فقط لتوثيق الأحداث، بل لمنحها قيمتها وعمقها. في تلك الأرض التي عرفت كيف تحول الجراح إلى وعي، تنسج سيرة صحفي كقصة إنسان اختار الكتابة، ليس كوسيلة للهروب من الواقع، وإنما كوسيلة لمواجهته بلغة تعكس عمق التجربة.

وُلد رضا الأعرجي في النجف عام 1948، في مدينة لا تقاس بحجمها، بل بشعورها وروحيتها.

هذه المدينة، التي كانت مكتباتها بمثابة امتداد لأماكن السكن، ومجالسها تعكس روح المعرفة والنقاش، لم تمده فقط باللغة الصحيحة، وإنما أيضاً بمنظور للعالم يعتمد على الاستفسار بدل اليقين، والتفكر قبل إصدار الأحكام.

في تلك الأجواء، تشكلت نواة وعيه الأول، حيث تجول بين مجلات ثقافية مثل "الهلال" وكتب التراث، وأعمال أبرز الشخصيات في النهضة العربية مثل العقاد وطه حسين والمنفلوطي وجبران.

لم تكن تلك القراءات المبكرة مجرد شغف عابر، بل كانت بمثابة لبنة أساسية لنزعة فنية ستلازمه طويلاً.

في مدرسة "منتدى النشر" الشهيرة، حيث للغة العربية مكانتها، وللآداب قيمتها، تعزز هذا التكوين ليصبح لديه حس لغوي متميز.

وكانت المجالس النجفية بمثابة مختبر له، حيث تعلم كيفية الاستماع واكتساب القدرة على ملاحظة التفاصيل وفهم أن الحقيقة لا تتجلى دفعة واحدة، بل تتكون عبر الحوار. كما يقول جلال الدين الرومي: "الجرح هو المكان الذي يدخله النور."

وقد تلخص هذه الحكمة، بطريقة ما، تجربة جيل بأسره واجه تحولات قاسية، وخرج منها بأسئلة تفوق دراماتيكية الألم.

كان الأعرجي جزءاً من هذا الجيل الذي لم يكتف بالتسليم بالواقع، بل سعى لتحليله والبحث عن مضامينه.

في أواخر الستينيات، خلال اشتداد الصراع بين التقليد والحداثة في الأوساط الثقافية، اختار أن ينحاز إلى التيار الحديث، وساهم في عام 1969 في إنشاء مجلة "جيلي"، التي كانت أكثر من مجرد مطبوعة؛ فقد كانت بمثابة إعلان ثقافي لجيل أراد التعبير عن أفكاره.

رغم محدودية الإمكانيات، إلا أن جرأة المجلة كانت ملحوظة، إذ سعت لتحدي العزلة والانفتاح على أصوات أخرى عراقية وعربية، على الرغم من توقفها المبكر بفعل القوانين والظروف الضاغطة.

وذلك المسعى، على قصره، شكل بداية تعليمة تعكس معنى الصحافة: أن تكون موقفًا يتجاوز كونه مهنة.

ومع انتقاله إلى بغداد في بداية السبعينيات، أخذت مسيرته في الصحافة طابعاً أكثر احترافية.

فقد كانت مجلة "صوت الطلبة" التي انطلقت في 1970 محطة انطلاقه الحقيقية، حيث اكتسب خلالها الأساسيات الصحفية: كتابة الأخبار، تفاصيل التحقيق، صياغة العناوين، واختيار الصور.

في تلك المحطة، لم يكن يتعلم المهارات التقنية فحسب، بل اكتسب أيضًا الثقة التي أهلته ليكون جزءًا من هذا الميدان.

ثم جاءت تجربته في جريدة "الثورة"، التي وضعت تجربته في قلب الصحافة اليومية بمخاطرها. خلال تلك المرحلة، اتسعت خبرته الميدانية، حيث شارك في تغطيات مهمة، مثل حرب تشرين 1973 على الجبهة السورية، كما بدأ يقرب نفسه من النقد السينمائي، والذي أصبح لاحقًا جزءًا من اهتماماته الكبيرة.

إذ تعلم هنا من خلال هذه المدرسة القاسية أن الكلمة مسؤولية، وأن الدقة ليست خيارًا بل ضرورة.

تجربته لم تقتصر على العمل في الصحافة المكتوبة، بل شملت أيضًا الإذاعة، حيث خاض تجربة جديدة انتقل فيها من الكلمات المكتوبة إلى الصوت.

في هذا المجال، تعلم كيفية صياغة الرسالة المسموعة وكيف يمكن إيصال المعنى للجمهور بعيدًا عن أي وسيلة بصرية. قدّم تشكيلة متنوعة من البرامج، منها برنامج "عشرة وخمسة" الذي حظي بشعبية كبيرة، مما أكّد له أن الإعلام في جوهره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجمهور.

ومع بدء رحلته في المنافي منذ عام 1990، بدأ فصلٌ جديد يكتسب فيه عمقًا أكبر وقساوة ملحوظة.

عمل كصحفي مراسل لعدد من الصحف والمجلات العربية، واستكشف حقل الإعلام بشكل مختلف، مدركًا أن الصحافة بعيدة عن موطنه تفرض معايير جديدة وتفتح آفاقًا أوسع لفهم الأحداث. في هذه الرحلة، تشكلت لديه قناعة راسخة أعرب عنها في كثير من المناسبات: إنه لا يكفي الصحفي اتقان أساليب عمله، بل يجب أن يمتلك ثقافة واسعة. في رأيه، الثقافة هي ما يزود الصحفي بقدرات التحليل وفهم ما يتجاوز الخبر، بدلاً من الاكتفاء بنقله.

تظهر هذه المسيرة بوضوح في كتاباته، فهو لا يقتصر على كتابة تقارير الصحافة التقليدية، بل يقوم بسرد قصص تسلط الضوء على التفاصيل الإنسانية، وتحولها إلى مدخل لفهم العالم من حوله.

يبدأ من لحظة بسيطة ثم يتوسع في طرح أسئلة عميقة، بأسلوب يدمج السرد والتحليل، ويعكس مزيجًا من الذاكرة والفكرة.

وفي مجال الكتابة عن السينما، يبدو كمن يرى في الفيلم أكثر من مجرد صور، بل كأنه نص ثقافي يعبّر عن التحولات الاجتماعية ويوضح ما تخفيه السياسة.

يكتب عن السينما كما لو كان يتناول شؤون الحياة، مستخدمًا لغة تتميز بالحساسية الفنية والوعي النقدي.

كنت أعرفه كزميل عزيز منذ منتصف السبعينيات، حينما كانت الصحافة لا تزال تحتفظ بجوانبها الإنسانية الدافئة، وخاصة حين كنت سكرتير تحرير مجلة "فنون"، ثم رئيس تحريرها لاحقًا.

في هذه البيئة المشتركة بين الصورة والكلمة، كان رضا الأعرجي يمارس عمله كمسؤول صفحات السينما، ليس كموظف يؤدي واجبة، بل كعاشق يتقن تفاصيل العمل.

تميز بمهنية استثنائية، وبأسلوب كتابة سلس لا يثقل محتوى النص بل يضفي عليه خفة محببة، وكأن كلماته تنساب كحرارة الكاميرا في مشهد متقن.

لم يكن مجرد وجوده المهني هو ما يُلاحظ، بل كان لديه ذاكرة أرشيفية نادرة، لا تقتصر على الأسماء والأفلام، بل تربطها بسياقاتها وتعيد إحيائها وكأنها تحدث في الوقت الراهن.

علاوة على ذلك، كان إنسانًا لطيفًا، يتعامل بلطف وطيبة حقيقية. ومع أنه كان مشغولًا، كان يسعى دائمًا لتسليم صفحته في المواعيد المحددة، مما يعكس شغفه واحترامه لمهنته.

عندما توليت رئاسة تحرير المجلة، وبدأنا العمل على إعداد الكتاب السنوي عن السينما، كان العدد الأول مخصصًا للسينما العراقية وتاريخها، باعتبارها جزءاً من ذاكرة الوطن البصرية.

في إطار هذا المشروع، برز الأعرجي كأحد أكثر المؤيدين له، وقد يكون مبالغاً أن أقول إنه بذل جهودًا غير عادية، مدفوعًا بإيمانه بأن السينما العراقية يجب ألا تُنسى بل أن تُوثق وتُقرأ وتُستعاد.

كان يناقش التفاصيل بحماسة كبيرة ويستحضر أسماء المخرجين والأفلام والظروف المحيطة بها بدقة وعمق حتى أصبح الكتاب تجسيدًا لجهود توثيقية تليق بتاريخ السينما العراقية، وتضعها في سياقها الثقافي والإنساني.

أود أن أستذكر في هذا السياق أنني قمت بكتابة تحليل سينمائي للفيلم التلفزيوني "البندول"، الذي أخرجه الصديق الراحل كارلو هارتيون، وألفه معاذ يوسف، وشاركت فيه الموهبة الجديدة حينها جلال كامل، الذي كنت أراهن على أن له مستقبلاً مشرقاً.

كان الأعرجي موجودًا ليس فقط كزميل عزيز، بل أيضًا بفضل تحليله العميق؛ حيث كان يستعرض النص بدقة، يناقش القضايا بتعمق، ويضيف أفكارًا مثرية توسع من آفاق النقاش، مما جعل العمل يبدو كعملية إبداعية جماعية بدلاً من مجهود فردي منعزل.

إن رضا الأعرجي يتجاوز كونه صحفيًا عراقيًا، فهو يمثل تجربة فريدة جعلت من الصحافة أداة للمعنى، وليس مجرد وسيلة لتقارير الأحداث.

إن هذه التجربة تثبت أن الكتابة، إذا كانت نابعة من ثقافة عالية وصدق، يمكن أن تكون وسيلة لمواجهة العدم.

 

 


مشاهدات 37
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/06/03 - 5:28 PM
آخر تحديث 2026/06/04 - 12:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 44 الشهر 2977 الكلي 15878458
الوقت الآن
الخميس 2026/6/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير