الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح الموت مولِّدًا للأسئلة يأتي شوقي ليقف على الحكاية بوصفها مقاومة للفناء


حين يصبح الموت مولِّدًا للأسئلة يأتي شوقي ليقف على الحكاية بوصفها مقاومة للفناء

ياس الركابي

 

وكعادته في تقمصاته! يدفعنا هذه المرة إلى ما رأيناه تأرجحًا بين الدراما والسرد مستنطقًا سؤال الموت...... على أنه قدر

                      وجودي

دون أن يغفل استحضاره للحكاية كزاوية أو ملاذ يكون عندها ضد العدم ولو خلسة!! وهو يربط بين الذاكرة والحرب مرة، وأخرى بين الطفولة والخذلان ليكشف بقدرة ونبوغ ما هو عليه الإنسان من هشاشة أمام إغواء الاستسلام.

إلا أن ما شدني إليه الكاتب هو أن كل بنائه في هذا النص قد ارتكز على موضعين تجلت فيهما نقطتان شعريتان أولاهما تلك التي رسم لنا من خلالها فلسفة كونية وهو يستهل بها نصه بالقول: (الموت الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تجاوزها) بتكثيف عالٍ لتبلغ اللغة ذروتها الشعرية بما جاء به شوقي من خلالها باستعاراته الكونية وصوره المتوالية (تخفي الأرواح بين ثنايا المحال) و(الموت خاتمة الأسئلة).

وهنا يبدو أن الكاتب ومن خلال شعريته قد حوّل الفكرة الفلسفية إلى مشهد حسّي نابض من حيث إن الموت ليس تعريفًا إنما هو كائن يعوي ويخفي ويرمي ويعمل لنكون كمتلقين أمام ثانية شعريات النص من خلال فقرة (رغيف خبز حار طري ممسوح بدهن حر) وكذلك (الملك الشبيه بفقاعة صابون يتلاشى) لنتنبه بأننا أمام حنينية رمزية كذروة عاطفية ذلك لأن الكاتب هنا قد قارب مقابلة الموت بفعل الـ(حكي) ولكنه سرعان ما أسقط ذات الحكاية في دائرة الفناء ليخلق لنا شعرية الحنين والذاكرة حيث تصبح اللغة ملموسة حسّية وسرعان ما يحيلها النص إلى هشاشة رمزية مع تلاشي الملك ورحيل الجدة!!!

وهكذا تدور دواليب شوقي كريم الإبداعية وهو يخرج عن العنواناتية التي جاءت بها ليدعنا نقرأ له هذه المرة سردًا قصصيًا ولكن بنفس مسرحي سامق!!! بإعلانه الوجودي (الموت الحقيقة........) وكأنه يؤسس لأفق فلسفي جاء به شوقي بمثابة الحاكم للبنية السردية بأكملها وليس على أنه ممهد لطريق الأحداث الشوقية!!

ذلك لأن الجملة الافتتاحية ليست رأيًا عابرًا بل هي حجر الأساس الذي تُبنى عليه طبقات النص كلها عندما يتحول الموت من واقعة بيولوجية إلى مبدأ كوني ((يعمل على تلاشي الأرواح خارج ممكنات الاستدعاء)).. نعم... قوة عمياء تدفع الأجساد إلى ((هوام الأرض وديدانها)) وتخفي الأرواح ((بين ثنايا المحال)).

وهكذا تبدو لنا المسافة بين رأس عفنٍ خاوٍ وآخر ((لا يتقن الأسئلة)) وبين السؤال بوصفه فعل حياة وإجابته بوصفها موتًا آخر ليرسم لنا شوقي كريم أبعاد المسافة بين العالم والكائن ذلك لأن استهلال النص بدا لنا الموت كأنه خاتمة لأسئلة، لكن سرعان ما يأتي به شوقي لاحقًا على أنه المولّد الأول للأسئلة حين يصرّح السارد بأن (لا حاجة لترقب إجابة لا تحمل بين يديها رضيع سؤال) كتلميح على أن الحياة الحقة ليست في اليقين بل في القلق المنتج وفي التوتر الدائم بين الرغبة في الفهم واستحالة القبض على المعنى النهائي!!!

ليتسلل الحوار بوصفه تقنية درامية داخل النسيج السردي أو هكذا أراد له الكاتب إذ تنشطر الذات إلى صوتين أحدهما غارق في الكدرة وآخر يحاول الاستدراج إلى ضوء ما: ((من أين تجيئك الحكايات… وأنت تغرق في بحر من التلعثم؟؟؟)).

هذا السؤال الذي يبدو موجهًا لشخص لكنه في الحقيقة مساءلة للكاتب/الراوي نفسه إنه تشكيك في جدوى الحكي وسط ركام الارتجاف على أن هذا الانشطار قد منح النص طابعًا مسرحيًا واضحًا، لكن ما أبقاه ضمن فضاء السرد القصصي هو غياب البناء المشهدي التقليدي وعدم وجود حبكة تتصاعد نحو ذروة محددة بسبب هيمنة التأمل والتداعي لأن النبرة قد تبدلت وسط السياق السردي من الفعل.

فبعد أن كان الموت مفهومًا تجريديًا ها هو يتحول إلى حالة نفسية ((وجدت جسدي ممددًا لا يستطيع أداء مهمة غير أن ينتظر)) ليكون الانتظار هنا موتًا مؤجلًا، وليس فعلًا سكونيًا فحسب.

ولكن، ومع استمرار النداء (تعال تعال) بوصفه إغواءً مزدوجًا لم نتيقن: هل أراد من ورائه شوقي كريم أن يكون نداء الحياة التي تريد أن تنتشل البطل من عجزه أم هو صوت الموت نفسه الذي يلبس قناع الخلاص؟؟؟؟

نعم، فهذه الازدواجية نرى أنها أبقت النص في منطقة ملتبسة لأن القارئ هنا لم يُمنح يقينًا سهلًا لأن (امتحان الرفض صعب) كما قال السارد ولأن الرفض يعني هنا مقاومة لجاذبية الاستسلام ومقاومة لـ(دائرة الانتظار) التي تحيطها (جدران عالية).

إلا أن النص كما قرأناه لم يبلغ منعطفه الأهم إلا في القسم الموسوم بـ(الحكايات) عند وقوع حالة الارتداد إلى الذاكرة الطفولية إلى فضاء الجدة إلى لحظة كان فيها العالم لا يُفهم عبر الفلسفة بل عبر النص.

حيث تتبدل اللغة لتصبح أكثر حسّية ودفئًا، كما استدركته أنا كقارئ في مطلع اشتغالي في أعلاه حيث (رغيف خبز طري حار ممسوح بدهن حر) علاوة على (أغانٍ تورق كرومًا من السعادات).

هذه الصور يجب ألا يُنظر لها كزخرفة بلاغية، بل بوصفها إعلانًا عن وظيفة الحكاية على أنها نقيض للموت، فمن حيث إن الموت كان في البداية قوة تلاشي، فها هي الحكاية قوة للإنبات!!!

وهنا لا بد من تأشير بأن هذا النقيض نراه هشًّا، فالملك (الشبيه بفقاعة صابون) يتلاشى والجدة (تلمّ ما تراه مناسبًا من أجل رحيلها) حيث نلحظ بأن التلاشي يتكرر في صيغة رمزية لكن الكاتب جاء به وبحكمة ليؤكد أن الحكاية مهما بدت ملاذًا، فهي ليست عصيّة على الفناء.

ليحقق شوقي كريم غايته وهو يربط بعمق بين البداية والوسط فالموت الذي كان حقيقة كونية يعود ليغزو الذاكرة نفسها، فيمحو الجدة كما يمحو الملك ويترك الطفل عاريًا أمام أسئلة لا سند لها.

ومن اللافت في النص أنه ينتقل بخفة من ميتافيزيقا الموت إلى سوسيولوجيته كموت وهذا ما هو واضح في المقطع الذي أشار إلى (الرصاصات تمرق إلى جسدي مثل وخز إبرة) حيث يتجسد الموت هنا في سياق حربي ولم يعد مفهومًا عامًا بل تجربة شخصية مشحونة بالعنف.

لتأتي الصورة الأسطورية: (يُحكى أن الموت طائر رخ كبير يسرق الأرواح تاركًا الأجساد عرضة لهجومات كلاب الحروب) لتمزج بين الأسطورة والواقع كاشفة على أن الوعي الجمعي يحاول دائمًا أن يكسو الفاجعة برداء حكائي وأن يخفف وطأة الرصاص عبر تحويله إلى طائر أسطوري!

مع قناعتنا كقارئين بحذر بأن النص لا ينخدع تمامًا بهذه الاستعارة، وهو يصرّ في خاتمته على أن (الحكايات دونما مواقد تغدو مجرد هذر تحفه الأكاذيب) بمعنى أن الحكاية إذا انفصلت عن دفء التجربة والذاكرة تصبح شكلًا أجوف لا يقاوم شيئًا.

وما يجب الوقوف على حيثياته هو أن عنوان شوقي كريم (ممالك الدبق) جاء ليضيء الرؤية أعلاه بكل ما هي عليه من تأويلات من حيث إن الدبق ما هو إلا مادة لاصقة تُصاد بها الطيور، عوالم لزجة تلتصق بالكائن وتمنعه من الطيران الموت دبق الحرب دبق الانتظار دبق بل حتى إن الحكاية قد تتحول إلى دبق إن لم تكن موصولة بالوعي والفعل.

أما البطل فهو عالق في هذه الممالك بعد أن أراد له شوقي أن يتنقل بينها ولكن دونما قدرة على الفكاك! يجلس (عند دائرة الانتظار) غير قادر على كسرها البتة.

ومن هنا تأتي أهمية الجدة، بوصفها رمز الذاكرة والدفء الأول فهي الفاتحة لـ(أكياس الحكايات) والداعية للسامعين إلى حيث الصلاة قبل البدء في طقس جماعي يعيد تشكيل المعنى.

هذه الجدة التي برحيلها يتصدع المركز ليعود السؤال الوجودي عاريًا.

أما البعد المسرحي في النص فيتجلى في كثافة الحوار وفي النداءات المتكررة وفي المشاهد شبه البصرية التي يمكن تخيلها على خشبة على أن النص يظل نصًا للقراءة والتأمل وهو لا يعتمد على الفعل الخارجي بقدر اعتماده على الصراع الداخلي فنحن أمام مسرح روحٍ أكثر منه مسرح أجساد.

من حيث إن الشخصيات ليست كيانات مستقلة بقدر ما هي أصوات داخل الوعي الواحد، نعم... أصوات تتجادل تتهم،د وتستدرج وتعاتب.

كما هي خاتمة شوقي التي ومن خلالها تعاتب الجدة حفيدها بالقول: (ما كان عليك قبول عروض الموت بسهولة) حيث يعود النص إلى بدايته ليقلبها فالموت الذي أُعلن كحقيقة مطلقة ها هو أصبح خيارًا في مستوى ما، خيار الاستسلام أو المقاومة.

لنكون أمام تشكّل لبنية دائرية من التسليم بالموت إلى مساءلة هذا التسليم فالبداية كانت يقينًا والنهاية جاءت لتفتح ثغرة في هذا اليقين وما بينهما يمتد فضاء للحكاية بوصفها محاولة إنقاذ مؤقتة وذاكرة مقاومة ومرآة تعكس هشاشة الإنسان.

وهكذا أدركنا بأن (ممالك الدبق) اشتغال لذيذ مشبع بالشعرية متكئ على التكرار الإيقاعي (تعال تعال) وعلى الصور الكثيفة، وعلى التوتر بين الفلسفي واليومي لينجح شوقي بامتياز وهو يلفتنا إلى مطالعة مسرودته القصصية هذه، لأن السرد هو عمودها الفقري إلا أنه جاء بها مشبعة بروح المسرح لأن حوارها وما هي عليه من انقسام داخلي قد منحاها طاقة درامية في جوهرها كنص عن سؤال المعنى في زمن الخراب عن رأسٍ يرفض أن يكون عفنًا بلا أسئلة وعن حكاية تحاول ورغم كل شيء تأجيل لحظة السقوط في هوة

العدم.

 


مشاهدات 21
الكاتب ياس الركابي
أضيف 2026/03/01 - 3:08 PM
آخر تحديث 2026/03/02 - 5:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 433 الشهر 1544 الكلي 14955613
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير