الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نرجسييون صغار

بواسطة azzaman

نرجسييون صغار

حاتم جسام

 

شاهدنا خلال النصف الأول من ليالي شهر رمضان الجاري احداث مسلسل «الست موناليزا» الذي عرضته مجموعة قنوات mbc حيث قدم لنا الفنان المصري أحمد مجدي شخصية «حسن» التي لا تترك مشاهداً إلا ويبحث في ذاكرته عن شخص يشبهه لأنه مرآة تعكس لنا صورة صنف مؤذٍ من البشر يعيش بيننا كل يوم باحثاً عن منصة يقف عليها ليبدو أكبر ولو على حساب الآخرين ،ويخطأ من يظن أن حسن محتال عاطفي فحسب لأنه لو دققنا جيداً لوجدنا فيه نموذجاً مصغراً للطامح إلى السلطة بأي ثمن حتى لو كان على حساب شرفه وكرامته.

تأملوا معي سلوكه كما شاهدناه في حلقات المسلسل: يتزوج من موناليزا لأنه يريد أرضها  لا لكونه يحتاج الى المال وإنما لأنه يريد أن يتملك ما ليس له ، يساوم على دم أخته ويساوم على شرف زوجته التي سرق منها كل شيء ثم طلقها لينطلق باحثاً عن ضحية جديدة ،فيتزوج بأخرى لنفس الهدف الدنيء ،فهل هذا تصرف إنسان محتاج او جائع؟ ام أنه تصرف مريض نفسي يعاني فراغاً داخلياً يحاول ملؤه بالاستحواذ على جهد الآخرين بالغش والسحت والحرام؟

وفي واقعنا الذي نعيشه نجد حسن في أمثلة عديدة من الناس ،نجد حسن في الموظف الذي يسرق جهد زملائه ليصل إلى كرسي المدير ،نجده في صورة المسؤول الذي يبتكر طرقاً شيطانية لسرقة المال العام لأن سرقة الملايين تعطيه إحساساً وهمياً بالقوة يعوض به نقصاً داخلياً لا يداويه ولا يعوضه شيء ،نجده في المحلل والخبير على شاشات التلفزيون الذي يتحدث في كل شيء من الطب إلى السياسة وإلى حتى فنون الطبخ حيث يملأ الدنيا ضجيجاً ليخفي فراغه العلمي وعقده النفسية ،نجده في الناصح والداعية على الفيس بوك الذي يخطب ود الناس بمواعظ منسوخة مسروقة ينشرها عبر صفحة تختلف تسميتها عن حقيقته المختبئة خلف شاشة اللاب توب او الهاتفف المحمول لإنه لايعرف معنى الأمانة ولا المروءة ولا الاخلاق ،نجده في السياسي الذي يغير مبادئه في كل موسم انتخابي بحسب المصلحة فنراه يتزوج من قضية يتبناها وسرعان ما يطلّقها ويبيع جمهوره وناخبيه ليشتري منصبه لأنه يريد البقاء في الصورة مهما كلفه الأمر من ثمن. وبرأيي المتواضع فإن ما يجمع هؤلاء مع حسن هو ذلك الشعور المزمن بالنقص الذي يحاولون إخفاءه خلف أقنعة الكذب والاحتيال لكونهم فارغين من الداخل ،يملؤون فراغهم بسرقة أشياء الآخرين فيحاولون بمكرهم وخداعهم تحويل حياة مَن حولهم إلى مسرح جريمة لأمراضهم وعُقدهم الشخصية. ولو تأملنا جيداً لوجدنا ان الفرق بينهم وبين حسن أن الأخير شخصية درامية كشفتها لنا الاحداث في النهاية، أما هم فيمكثون بيننا لأنهم يتقنون التخفي وتغيير جلودهم كالحرباء كلما انكشفت حقيقتهم، يبحثون دائماً عن «موناليزا» جديدة ليستولوا على أرضها الرمزية بلا وازع من دين او قانون او اخلاق او ضمير جاعلين من الكذب مهنة لهم ومن الاحتيال أسلوب حياة كأنهم السرطان الذي ينخر جسد المجتمع.

ربما لهذا السبب نجد أنفسنا منزعجين من حسن رغم أنه مجرد شخصية خيالية في المسلسل لأنه يعرّي وجوهاً نراها كل يوم تبتسم لنا في الصباح وتطعننا بخنجر الغدر عند الظهيرة ولأن حسن قناع النرجسيين الصغار الذين يحاولون ان يظهروا كباراً امام الآخرين.

 


مشاهدات 160
الكاتب حاتم جسام
أضيف 2026/03/17 - 12:06 AM
آخر تحديث 2026/03/17 - 1:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 14070 الكلي 15006139
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير