الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مرآةً تعكسُ خوفَ الأرض

بواسطة azzaman

مرآةً تعكسُ خوفَ الأرض

 ثامر محمود مراد

 

الصواريخُ حين تنطلق، لا تصعدُ وحدها

تصعدُ معها أنفاسُ مدينةٍ كاملة، مذعورةٍ، مرتجفةٍ، كأنها تُنتزع من صدورها قسرًا.

تمزّقُ السماءَ كما يُمزَّقُ صدرُ أمٍّ فُجعَت،

لا تسألُ عن الغد، ولا تعترفُ بندم،

تمضي بلا ذاكرة، بلا قلب،

كأنها فكرةُ موتٍ تعلّمت كيف تطير.

السماءُ لم تعد سقفًا للطمأنينة،

بل صارت مرآةً تعكسُ خوفَ الأرض.

كلُّ وميضٍ فيها يشبهُ شقًّا في روحِ الليل،

وكلُّ دويٍّ ارتعاشةٌ في عظامِ البيوتِ العتيقة.

وعند الزوايا،

يقفُ كبارُ السنّ

بوجوهٍ حفرتها السنين،

وعيونٍ أرهقها الانتظار.

لا يصرخون،

فقد تعلّموا أن الصراخَ لا يوقفُ نارًا،

ولا يعيدُ ابنًا تأخّر عن العودة.

ينظرون إلى السماء كما ينظرُ الغريبُ إلى بابٍ مغلق،

كأنهم يسألونها:

أين ضاعت أيامُنا البيضاء؟

أين اختبأ صباحٌ بلا جنازات؟

أين صوتُ الباعةِ بدلَ صوتِ الانفجارات؟

في أعينهم حلمٌ صغير،

لا يطلبُ معجزةً،

ولا ينتظرُ انتصارًا،

فقط يومًا عاديًّا

تشرقُ فيه الشمسُ دون أن تُقاسَ بالدخان،

ويمشي فيه الأطفالُ إلى مدارسهم

دون أن تسبقهم صفاراتُ الخوف.

الصواريخُ لا تعرفُ طريقَ العودة،

لكن عيونَ الشيوخِ تعرفُ طريقَ الأمل.

تحملهُ بصبرِ من عاشَ خساراتٍ كثيرة،

وما زال يؤمنُ أن الأرضَ ليست خُلقت لتُزرعَ نارًا،

بل لتُزرعَ قمحًا.

ورغم كلِّ هذا العواءِ المعدنيّ في السماء،

يبقى في صدورهم دعاءٌ صامت:

أن يأتي يومٌ جميلٌ آخر،

يكونُ فيه النظرُ إلى السماء

بحثًا عن غيمةٍ ممطرة،

لا عن صاروخٍ جديد.

 


مشاهدات 69
الكاتب  ثامر محمود مراد
أضيف 2026/03/17 - 12:46 AM
آخر تحديث 2026/03/17 - 2:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 150 الشهر 14110 الكلي 15006179
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير