الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وداعاً قعبور صوت الأرض

بواسطة azzaman

وداعاً قعبور صوت الأرض

غفران حداد

 

منذ أن قرأت خبر رحيل الفنان اللبناني الكبير أحمد قعبور وانا احاول ان اترجم حزني لفقدان قامة فنيّة وإنسانيّة كبيرتين، لكن تنقصني الكلمات لأعبر عن هذا الصوت الذي رحل في وقت لبنان بأمس الحاجة لأغانيه الحماسيّة ،فجنوب لبنان معرض لإحتلال إسرائيلي أعمق والانفجارات تهزّ مباني بيروت و الضاحية بكل وقت مذكرنا صوت الراحل حين غنى بأغنيته الأشهر «أناديكم» كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زيادة  أبان إجتياح اسرائيل للبنان عام 1982.

خبر رحيل قعبور عاد بي شريط الذكريات لأول مرة التقيته في شهر آب من عام 2015 حين كنت منسقة علاقات عامة لأحدى القنوات الفضائية العراقية لأجل تسجيل لقاء تلفزيوني ليكون قعبور ضمن نخبة من نجوم الصف الأول من فنانين وإعلاميين لبنانيين وقد طمعت أكثر بأن  أجري معه لقاء صحافي  ورد عليّ بهدوء المعتاد ودماثة خُلقه (إنتِ بتؤمري وأنا جاهز بأي وقت تريدينه).

لم يكن همه الحصول على آلاف الدولارات مقابل أن يطلّ على جمهوره العراقي والعربي، كانت رسالته إيصال صوته وفنه ولقاء محبيه. لم يكن أحمد قعبور بالنسبة لجمهور جيله والأجيال اللاحقة  مجرد فنان، بل كان حالة، كان امتداداً لزمنٍ آمن بأن الكلمة سلاحٌ، وأن الأغنية موقفٌ. غنّى لفلسطين، لبيروت، للناس البسطاء، للأزقّة التي تشبهنا، وللحلم الذي كبر فينا كما كبر فيه.

عرف الجمهور  صوته أكثر نهاية عقد السبعينات وبداية  عقد الثمانينات من القرن المنصرم، وفي ذروة الحرب اللبنانية  والنزوح  القسري وصعود الأغنية الملتزمة، كان صوته جزءاً من موجة ثقافية كاملة رافقت العمل السياسي والميداني . لم تكن «أناديكم» وحدها، بل أيضاً «يا رايح صوب بلادي»، و»جنوبيون»، و»يا نبض الضفة»، وغيرها من الأعمال التي التصقت بذاكرة جيلٍ انصهر بمآسي الحروب مثلما تعاني اليوم الأجيال اللاحقة وكأن الزمن يعيد نفسه.

شُيّع أحمد قعبور في وداع مهيب و احتشد آلاف المشيعين خلف نعشه ، ارتفعت الأعلام الفلسطينية إلى جانب اللبنانية، وتداخل البكاء مع همس جماعي يردد «أناديكم.. وأشد على أياديكم»،بدا المشهد مؤلما وجميلا في آن، كأن الصوت الذي خرج يوما من روح فنان، عاد ليعيش في أرواح أخرى.

امتدت تجربة قعبور إلى عالم الطفولة، حيث قدم أكثر من 300 لحن ضمن «مسرح الدمى اللبناني» و «السنابل» ، هناك زرع الفرح والسلام والطمأنينة في وجوه صغيرة لم تعش طفولتها وبرائتها في ظل الحروب الأهلية و الإقليمية التي لا تنتهي. كما توسع نحو الموسيقى اليومية والشعبية، فقدم أعمالا مرتبطة  بالشهر الفضيل والمناسبات الاجتماعية في ألبوم «رمضانيات»،  مقدما ألحانا جميلة مليئة بالرسائل الإنسانية والوطنية.

ومع انطلاقة تلفزيون المستقبل، أسهم في برامج موسيقية موجهة للجمهور العام، مثل «لعيونك»، و»بتمون»، و»روح شوف مستقبلك»، بالتعاون مع فرقة «الطرابيش»، محققا توازنا بين الحداثة والتراث الشعبي، وباتت أغنياته والحانه حاضرة في المنازل، جزءا من الحياة اليومية، والحارات الشعبية ، و المخيمات الفلسطينية، كان صوته مواسياً كل الناس ويكفيه فخرا أنه لم ينتمِ إلى أي طائفة أو حزب سياسي، ولم يغنِّ تحت أي شعار أو رمز سياسي، كان استقلاله الفني ركيزة ثابتة في مسيرته، رحل جسد أحمد قعبور... لكن صوته باقٍ بيننا يردد :»أناديكم».

 


مشاهدات 77
الكاتب غفران حداد
أضيف 2026/03/30 - 2:15 PM
آخر تحديث 2026/03/31 - 1:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 81 الشهر 25185 الكلي 15217253
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير