الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خيانة.. جسد

بواسطة azzaman

قصة.. قصيرة

خيانة.. جسد

احمد كاظم العامري

 

كان "حسن" يمشي فوق الألغام التي تزرعها الأيام بخطى الواثق الذي لا يلتفت وراءه، يرى الحياة ساحة نزال كبرى، والموت فيها مجرد "خصم غبي" يخطئ الهدف دائماً. لم يكن جندياً يحمل بندقية، بل كان محارباً في مضمار الوجود، سلاحه ضحكة مجلجلة في وجه المصائب، ويقينه أن جسده خُلق ليبقى.

تجلت أسطورته في ثلاث محطات، كادت أن تضع نقطة النهاية، لكنه استبدلها دائماً بعلامة استغراب. في المرة الأولى، كانت الحافلة تنهب الطريق بسرعة جنونية قبل أن تنقلب سبع مرات في منحدر صخري مروع، تحولت المركبة إلى نعش من حديد يئن تحت وطأة الجثث والدماء التي غطت المقاعد، بينما حسن، ومن وسط الركام وتصاعد الدخان ورائحة الموت المنبعثة من الأجساد الهامدة حوله، خرج من ثقب نافذة مهشمة، وقف بهدوء غريب، ونفض الغبار عن بدلته الجديدة التي لم يتمزق فيها خيط واحد، ونظر للساعة في معصمه كأنه يتأكد من موعد غداء.

وفي المرة الثانية، كان ضحية لثأر لا ناقة له فيه ولا جمل؛ وقف أمام رجل أعمى الحقد بصيرته، يشهر في وجهه مسدساً ويرتجف غضباً ليقتله ظناً منه أنه القاتل، فلم يرمش لحسن جفن، بل نظر لفوهة السلاح ببرود عجيب ينم عن استحقار للموت، حتى تدخلت يد الصدفة في اللحظة الأخيرة لتكشف الحقيقة، فانسحب الرجل وهو يعتذر، بينما حسن يبتسم كأن الدراما كلها لم تكن تعنيه.

أما الثالثة، فكانت في طفولته حين أراد أقرانه السخرية منه، فأقنعوه أن النهر الضحل يمكن العبور فوقه، فابتلعه التيار الغاضب وغاب في القاع المظلم، سحبوه بعد أن توقف نبضه وغادر الهواء رئتيه، لكنه عاد للحياة بقوة، ليزداد إيماناً بأنه "خالد" بشكل ما.

لكن الحياة التي فشلت في كسر جسده، عرفت كيف تخترق روحه. بدأت الحكاية بمرض أمه، تلك المرأة التي كانت تمثل له الثبات الكوني؛ رآها تذبل يوماً بعد يوم، ويدها التي كانت تمنحه القوة صارت واهنة كخيط حرير، وفي الليلة التي فارقت فيها الحياة، شعر حسن لأول مرة ببرودة تسري في نخاعه، لم تكن برودة الحادث ولا برودة النهر، بل كانت برودة "الفقد" التي لا تدفئها شمس.

لم يكد يلملم أشلاء روحه حتى جاء رحيل خاله، رفيق دربه الذي كان يعلمه أن المحارب لا يبكي؛ مات الخال فجأة، فترك في صدر حسن فجوة لا يسدها منطق، وصار يرى في عين خاله المنطفئة مرآة لمصيره القادم. ثم جاءت الضربة القاضية برحيل والده، الرجل الذي ظن حسن أنه استمد منه سر البقاء، برحيله سقط السقف الأخير الذي كان يحميه من هجير الحقيقة، وأدرك أن "الموت" ليس حادثاً ينجو منه، بل هو سارق يتربص بمن يحبهم.

ها هو "حسن" الآن، يسكن جسداً بدأ يدرك وهنه، صار الموت هاجسه اليومي، ليس الموت الذي يهجم كعدو، بل الموت الذي يتسلل كخيانة داخلية من الأعضاء والروح. يجلس وسط زوجته وأبنائه وأخوانه، يوزع عليهم الضحكات القديمة ذاتها، لكنها الآن ضحكات "معدة مسبقاً"، يداري خلفها رعباً من اللحظة التي سيبكي فيها وحيداً حين ينكشف الستر، ويتساءل بمرارة: كيف لهذا الجسد الذي نجا من الحديد والنار والماء، أن يستسلم بسهولة لغصة حزن أو لتوقف نبضة؟ صار يراقب وجوه أحبته ويصمت، يرفض أن يشركهم في كابوسه الجديد، محاولاً أن يظل في أعينهم ذلك المحارب الذي لا يقهر، بينما هو في الحقيقة ينتظر خيانة جسده لروحه، مدركاً أن المعركة الأخيرة لا فائز فيها.

 


مشاهدات 47
الكاتب احمد كاظم العامري
أضيف 2026/05/19 - 4:04 PM
آخر تحديث 2026/05/19 - 11:52 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1056 الشهر 18506 الكلي 15863700
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير