الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخدمة العسكرية بين بناء الجسد والمفارقات الصحية

بواسطة azzaman

الخدمة العسكرية بين بناء الجسد والمفارقات الصحية

شيرزاد نايف

 

في سياق الجدل الدائر حول إعادة تنظيم أو تفعيل الخدمة العسكرية الإلزامية في العراق، يظل النقاش غالبًا محصورًا في أبعاده السياسية والأمنية، بينما يُهمَّش البعد الصحي بوصفه أحد أكثر الأبعاد التصاقًا بحياة الشباب وتحولاتهم الجسدية والنفسية في المرحلة الراهنة.

من منظور الصحة العامة، يواجه قطاع الشباب في العراق تحولات لافتة في نمط الحياة، تتسم بتراجع النشاط البدني وازدياد الاعتماد على أنماط معيشية ساكنة، ترتبط بالجلوس الطويل أمام الشاشات، وضعف الحركة اليومية. وقد انعكس ذلك في ارتفاع معدلات السمنة، واضطرابات التمثيل الغذائي، وأمراض القلب المبكرة، فضلًا عن مؤشرات مقلقة تتعلق بحالات الوفاة المفاجئة في بعض الفئات العمرية.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الخدمة العسكرية بوصفها بنية تنظيمية تعيد تشكيل علاقة الجسد بالفعل والحركة، حيث تُفرض أنماط من الانضباط البدني والتدريب الميداني المنتظم، بما يسهم في تعزيز الكفاءة القلبية والتنفسية، وتقوية الجهاز العضلي، ودعم استقرار المفاصل عبر الحركة المنظمة بدل السكون المزمن. كما أن الانتظام الحركي يرتبط علميًا بتحسين الاستجابة المناعية وتقليل آثار الأمراض المرتبطة بالخمول.

إضافة إلى ذلك، يمكن فهم البيئة العسكرية بوصفها نوعًا من “الانقطاع القسري” عن الإفراط الرقمي الذي يطبع حياة الشباب المعاصر، حيث يشكل الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والشاشات عاملًا في إجهاد العينين، واضطراب النوم، وتراجع التركيز البصري. ومن ثم فإن التحول إلى بيئة ميدانية أكثر حضورًا جسديًا قد يوفر نوعًا من “الراحة الحسية” للجهاز البصري، ويعيد التوازن بين الجسد والعالم الرقمي الذي يطغى على الحياة اليومية.

غير أن هذا التصور لا يخلو من تعقيداته الصحية. فطبيعة الحياة داخل المعسكرات القائمة على التجمع الكثيف والتقارب الجسدي قد تخلق بيئة مواتية لانتقال الأمراض البكتيرية والفيروسية، خصوصًا في ظل محدودية التهوية أو ضعف الإجراءات الوقائية. وهنا تتحول الكثافة البشرية من عامل تنظيم إلى عامل خطر صحي محتمل، يستوجب معالجة مؤسسية دقيقة لا تترك المجال للاجتهاد العشوائي.

ومن ثم، فإن التعامل مع هذا التحدي لا يكون بإهماله، بل بتطوير بنية صحية متكاملة داخل المعسكرات، تقوم على وجود فرق طبية ميدانية متخصصة، وتوسيع دور الكوادر الصحية بما في ذلك العنصر النسوي داخل العيادات العسكرية، لما لذلك من أثر في تحسين جودة الرعاية الصحية وتوسيع نطاقها الإنساني والمهني. كما أن إدماج برامج التوعية الصحية الدورية حول النظافة الشخصية، والوقاية من العدوى، وإدارة الأمراض المعدية، يمثل ركيزة أساسية في الحد من المخاطر الصحية.

كلفة تشغيلية

غير أن هذه المعالجات تفتح بدورها إشكالية أخرى ذات طابع اقتصادي وإداري، تتمثل في ارتفاع الكلفة التشغيلية اللازمة لتأمين المواد الطبية، والمعقمات، ومستلزمات الوقاية، فضلًا عن الحاجة إلى سياسات صارمة لترشيد استهلاك الموارد، ولا سيما المياه، التي قد تتعرض للهدر في حال غياب أنظمة إدارة دقيقة داخل هذه البيئات المغلقة.

وعليه، فإن الخدمة العسكرية لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني أو الصحي بصورة منفصلة، بل ينبغي فهمها كمشروع اجتماعي مركب يتقاطع فيه بناء الجسد مع إدارة المخاطر الصحية، وتتشابك فيه الفوائد مع التحديات ضمن منظومة واحدة. فهي من جهة قد تمثل أداة لإعادة إنتاج اللياقة والانضباط الجسدي، لكنها من جهة أخرى قد تكشف عن هشاشة البنى الصحية إذا لم تُدار وفق مقاربة علمية شاملة.

وفي ضوء ذلك، تظل التجربة مرهونة بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التدريب العسكري، ومعايير الصحة العامة، وحدود الإمكانات الاقتصادية، بما يجعل من الخدمة العسكرية ليس مجرد واجب تنظيمي، بل مشروعًا لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بجسده، وصحته، وبيئته.

 


مشاهدات 53
الكاتب شيرزاد نايف
أضيف 2026/04/25 - 12:15 AM
آخر تحديث 2026/04/25 - 1:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 99 الشهر 21196 الكلي 15239269
الوقت الآن
السبت 2026/4/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير