الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدراويش في ليلة الجمعة

بواسطة azzaman

الدراويش في ليلة الجمعة

نعيم عبد مهلهل

 

لم أعرف أحدًا من أصحاب الطرائق قبل أن أجيء معلّمًا إلى مدرسة البواسل القابعة في عمق الأهوار، بالرغم من أنني قرأت عن هاجس الدراويش ومعتنقي التصوف الكثير، ومنهم الذي قُتل صلبًا بالخازوق في ساحة من ساحات بغداد جزاء ما ذهب إليه من إشراك الخالق بخليقته، وادّعى أنه يراه، وأنه في بعض نشوته يستقر في جُبّته.

تلك النشوة التي استُعيدت في عملية صلب أخرى تحدث عنها إيفو أندريتش في روايته الشهيرة (جسر على نهر درينا). وعليه، كنّا في لحظات نقاش الشعر الصوفي الذي كان يهوى حفظَهُ أحد المعلمين، والذي تبيّن أنه في خدمة الاحتياط في كركوك، تعرّف على جندي معه من مريدي الطريقة الكَسْنَزانيّة، ومنه تعلّم رؤى طرائق الدراويش، وصار يحضر محافلهم. ولهذا، في بعض طقوسه الخاصة نتركه مع مدائحه التي سجّلها في كاسيت مسجّلته، وحيث يهدأ الجميع ويخلدون إلى النوم، يستعين بضوء القمر أو النجوم ليمارس دروشة الروح والجسد بعِلمنا أو بدونه.

استحقاقات الثقافة

وهكذا تعمّدنا كل ليلة جمعة، إذا لم يسمح لنا الظرف بالذهاب إلى المدينة، أن نترك المعلم (الدرويش) يضرب في إيقاعات روحه بدفّ الليل والصمت وسعة السماء التي فوق رأسه، مع صدى تراويح دفعت أحدهم ليسأل في لحظة استغراب: تلك ليست من استحقاقات الثقافة والموقف الحالي، وقد خسرت للتو فتح الكثير من رجالها مع إسرائيل، وعبد الناصر فارق الحياة، وكاسترو تهدده أمريكا كل يوم، والسكّر شحّ في الأسواق بسبب ارتفاع سعره، وهموم أخرى لا يستطيع أي حلّاج حلّها.

قلت: والحل؟

قال: التظاهر.

قلت: نأخذ أهل أم شعثة وننزل بهم في شوارع الجبايش.

قال: لا، نحرّض الجهة التي ننتمي إليها.

قلت: ولو أنني لن أحصل على نتيجة فسأكتب وأنقل رغبتك إلى الاجتماع والمقهى والأصدقاء.

قال ضاحكًا: وصاحبنا الدرويش ماذا نفعل به؟

قلت: ندعه غارقًا في هور الله.

كان الليل يشعل في صمته توهّج نار النجوم إلى الجسد الذي جثا وسط الطين ونسي البرد وما حوله من دبيب ولسع حشرات وفضول سلاحف تقترب إليه، ويشدّها صوته المرتعش في ليلة جمعة على ضفاف لم تتعود مثل هكذا طقوس. ولم يكن لدى بيوتها المصنوعة من الخشب دِكَكٌ من الحجر يجلس عليها دراويش الطرائق والمتصوفة الذاهبون إلى لُجّة الشيء في رعشة نوره، كما في دِكَك جوامع سمرقند وبخارى وبغداد ونيسابور.

وسط هذا الصمت، وهسهسة القصب المتكلم في شوارع الريح بصوت ناعم، كان صديقنا المعلم يؤسس لتظاهرة روحية ليس لها علاقة بالسياسة. وحده يقود جسده إلى المكان القصيّ في ليل الأهوار وهو يردّد بكلام سمعناه جميعنا:

((كان نقيب الأشراف يلوح بالسيف، ويتوعّد مريديه بليل ليس به سوى ذكر الرب وخناجر تثقب في خاصرة الأشياء، ورقاب مثل الأرض تدور..

كلٌّ يبحث عن ليلاه.. والصوفي الراقص في نشوة موسيقاه..

يصرخ بين الحشد: اسم حبيبي نور الله.....))

 

 


مشاهدات 65
الكاتب نعيم عبد مهلهل
أضيف 2026/06/14 - 4:08 PM
آخر تحديث 2026/06/15 - 12:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 64 الشهر 13844 الكلي 15889325
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير