الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق أمام الخيار الصعب .. استئصال رؤوس الفساد الكبيرة أو الغرق الجماعي في مستنقعه

بواسطة azzaman

العراق أمام الخيار الصعب .. استئصال رؤوس الفساد الكبيرة أو الغرق الجماعي في مستنقعه

راجي العوادي

 

في الأدبيات السياسية المعاصرة لإصلاح الدول ، تبرز مقولة باني نهضة سنغافورة (لي كوان يو) كقاعدة ذهبية لا تقبل التأويل(إذا أردت تجفيف مستنقع الفساد ، فلا تبدأ باصطياد البعوض ، بل ابدأ بتجفيف المستنقع نفسه من الأعلى) هذه المقولة ليست مجرد نصيحة عابرة ، بل هي توصيف جراحي دقيق للحالة التي تعيشها دول كثيرة تعاني من الفساد الهيكلي ، وفي مقدمتها العراق.

وعندما نسقط هذه المقولة على الواقع العراقي ، وتحديداً على أحد أكثر القطاعات حيوية وسيادية وهو قطاع الطاقة ، تبرز قضية  وكيل وزير النفط الجميلي  كنموذج صارخ يوضح كيف يتحول الفساد من سلوك فردي إلى شبكة معقدة محمية بالمراتب العليا ، فكيف رشح هذا الشخص الى هذا الموقع الحساس , ومن دعمه واستفاد منه من سرقانه ؟!!!

قطاع النفط : المستنقع الأكبر

يمثل النفط شريان الحياة الوحيد للاقتصاد العراقي ، ومصدر أكثر من 90% من موازنة الدولة, هذا التدفق الهائل للأموال جعل من وزارة النفط، ومناصبها السيادية ، مطمعاً للمحاصصة الحزبية والسياسية.

في هذا البيئة ، لا يعود الفساد مجرد موظف مرتشٍ يسهل معاملة ، بل يتحول إلى  فساد بنيوي يديره مسؤولون بدرجة  وكيل وزير  أو  مدير عام , قضية الجميلي، بما تحمله من اتهامات أو شبهات تتعلق بالعقود المليونية ، وتهريب المشتقات ، أو التلاعب بالتعيينات والامتيازات ، تكشف أن المناصب العليا التي فُترض بها أن تكون صمام الأمان لمنع هدر ثروات الشعب ، تحولت في كثير من الأحيان إلى مظلة لحماية شبكات المصالح الضيقة.

لماذا يعتبر الجميلي وأقرانه رأس المستنقع ؟

بالعودة إلى فلسفة لي كوان يو، فإن  البعوض  في المشهد العراقي هم صغار الموظفين ، أو المعقبين ، أو حتى المهربين الصغار على الحدود , فملاحقة هؤلاء وإظهارهم في وسائل الإعلام , كإنجاز رقابي هو مجرد امتصاص مؤقت للموجة ، لأن المنظومة الفاسدة في الأعلى قادرة على استبدالهم في اليوم التالي.

أما الشخصيات التي تدير القرار ، مثل وكلاء الوزارات ، فهم يمثلون  المستنقع  ذاته لعدة أسباب:

النفوذ التشريعي والتنفيذي : يمتلك المسؤول الكبير سلطة توقيع العقود وتمرير الشركات الاستثمارية الواجهة.

الغطاء السياسي: غالباً ما يكون صعود هذه الشخصيات مدعوماً من كتل سياسية نافذة ، مما يجعل من منصبهم أداة لتمويل الماكينات الحزبية على حساب الخزينة العامة.

الحصانة الواقعية:  لسنوات طويلة ، ظل مسؤولو الخط الأول والثاني في الوزارات السيادية بعيدين عن المحاسبة الحقيقية بسبب شبكة العلاقات والمصالح المتبادلة, والاكتفاء بملاحقة صغار الموظفين , لهذا بقي   المستنقع  يفرخ مزيداً من الأوبئة.

تجفيف المنابع: من أين تبدأ النزاهة؟

إن ربط حالة الفساد في وزارة النفط بمقولة تجفيف المستنقع تفرض على الأجهزة الرقابية والقضائية في العراق تبني استراتيجية الهجوم من الأعلى إلى الأسفل  (Top-Down Approach)  ولا يمكن إقناع المواطن العراقي بجدية مكافحة الفساد بينما يرى المليارات تهرب أو تهدر من خلال عقود النفط والطاقة ، في حين تقتصر العقوبات على الموظف البسيط  .

تفكيك شبكات الفساد التي , قد يرتبط بها مسؤولون بمستوى وكيل وزير يتطلب:

رفع الغطاء السياسي : أن تدرك الكتل الحاكمة أن حماية  الفاسد الكبير  تعني غرق السفينة بالجميع.

استقلالية حقيقية للقضاء: عزل سلطات التحقيق عن أي ضغوط أو مساومات سياسية تسعى لتسوية الملفات خلف الكواليس .

قانون  من أين لك هذا؟ بأثر رجعي : تتبع حركة الأموال والعقارات لعوائل ومقربي المسؤولين في قطاع النفط ، فالأرقام لا تكذب والقصور الفاخرة في عواصم الإقليم والعالم لا يمكن حجبها بغربال التبريرات.

خاتمة

قضية الجميلي ، بغض النظر عن مآلاتها القضائية ، يجب أن تكون نقطة تحول في الوعي الرقابي العراقي , إنها تذكرنا بأن مكافحة الفساد في بلد , كالعراق ليست نزهة ، وليست حملة علاقات عامة لإسقاط  البعوض.

إذا أراد العراق حقاً الحفاظ على ثروته النفطية للأجيال القادمة ، فعليه أن يمتلك الجرأة لتجفيف المستنقع من الأعلى ، ومحاسبة الرؤوس الكبيرة التي أدارت وهندست عمليات الهدر، فالبعوض يموت تلقائياً عندما يجف الماء الذي يغذيه.


مشاهدات 128
الكاتب راجي العوادي
أضيف 2026/06/14 - 4:02 PM
آخر تحديث 2026/06/15 - 2:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 135 الشهر 13915 الكلي 15889396
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير