الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حب تحت سماء حمراء

بواسطة azzaman

حب تحت سماء حمراء

فراس عبد الحسين

 

عبر نافذة صغيرة في عيادة القاعدة، وقفت تحدّق بعينين مملوءتين بالدهشة. الغروب على سطح المريخ بدا أشبه بلوحةٍ مرسومة بيد إله حالم؛ سماء حمراء تشتعل بالتوهج، ووادي "مارينيريس" الشاسع يبتلع الضوء الأخير بشهقة صامتة. لم يكن المشهد غريبًا فقط، بل كأنما الزمن نفسه توقف ليمنحها هذه اللحظة. خفق قلبها بحماس، وشعرت بأنها لا تنتمي إلى الماضي، بل إلى هذا المستقبل الغامض الأحمر.

لم تكن زائرة في مهمة قصيرة، بل رائدة في حكايةٍ ستُروى طويلاً عن أول من مشوا فوق التراب المريخي بأملٍ لا يُقهر. لطالما حلمت "نورا" منذ طفولتها بالفضاء، بحركة النجوم، برائحة الأوكسجين البارد في حجرات المركبات، بعد أن أصبحت جزء من مجتمع صغير يقاوم ظروف المريخ القاسية، ليبني المستقبل.

في عمق الوادي، حيث الصخور تبدو كأنها نقشت قبل ملايين السنين بلون الغبار الأحمر، بُنيت قاعدة "مارس1"، ملاذ الإنسان الأول في مواجهة الصمت الكوني. كانت تعمل طبيبة هناك، وسط مجتمع صغير لا يتعدى المائة شخص، ينتمون إلى ثقافات وجنسيات متعددة. لم يكونوا مجرد علماء أو مهندسين أو مزارعين، بل روادًا يحاولون إعادة اختراع الحياة من جديد.

عملهم لم يكن يقتصر على البحوث الطبية أو الزراعية أو البيئية، بل أشبه بصراع من اجل البقاء: زراعة داخل قباب شفافة، تصنيع الماء من الجليد المدفون، وتوليد الأوكسجين من التربة الصخرية. يسكنون حجرات ضيقة ذات جدران معدنية، يتحركون ببدلات واقية، ينامون على أصوات الأجهزة، ويستفيقون على لحن صفير الرياح المريخية. ورغم كل شيء، حاولوا أن يصنعوا من هذا الجحيم الأحمر وطنًا مؤقتًا، وشيئًا يشبه الأمل.

ذات يوم، وبينما كانت الطبيبة تقود مركبة طبية صغيرة فوق سطح المريخ، تتنقل بها بين المحطات البيئية المنتشرة عبر تضاريس الوادي، دوّى انفجار عنيف هزّ صمت الكوكب. أوقفت المركبة فورًا، وحدقت من خلال الزجاج الأمامي المقوّى، فرأت عمودًا من الدخان الأسود يتصاعد في الأفق، كأنه جرح مفتوح في صدر الكوكب.

أضاءت لوحة التحكم أمامها تنبيهًا طارئًا، فاستدارت بسرعة عائدة نحو القاعدة. لاحقًا، عُرف أن الانفجار كان نتيجة هجوم إرهابي استهدف مركبة شحن قد وصلت توًا من الأرض، تحمل مواد حيوية لبقاء المستوطنين. المريخ في تلك اللحظة يبدو أكثر عزلة ووحشة، والسكون الذي منحهم الطمأنينة، تحوّل فجأة إلى تهديد معلّق في الهواء. الصخور الحمراء بدت وكأنها تراقبهم، والسماء المغبرة اتسعت أكثر من اللازم، كما لو أنها تلفظهم خارج حضنها.

الهجوم جزءً من حملة تقودها جماعة متطرفة تُدعى "الأرض أولًا"، تعارض المشاريع الفضائية وتراها مضيعة للموارد. وتوالت بعدها الأخبار السيئة: تفجيرات أخرى على الأرض، اغتيالات، انقطاع الاتصالات، توقف الرحلات بين الأرض والمريخ. أبلغتهم القيادة المركزية، عبر رسالة مشفرة، أن الوضع على الأرض خرج عن السيطرة، وأن عليهم الاستعداد للبقاء في مستعمرتهم لفترة غير محددة.

مرت شهور طويلة على سكان القاعدة، عاشوا خلالها في عزلة تامة، لا يصلهم من الأرض سوى الذكريات. حاولوا بناء روتين حياتي متماسك وسط هشاشة العالم الجديد. كل يوم كان تحديًا: من صيانة معدات الأوكسجين إلى تحلية الجليد واستخلاص الماء، إلى تعقيم البيوت الحيوية وضبط إنتاج الخضروات من المزروعات.

تقضي صباحاتها في تفقد الحالة الصحية للمستعمرين، وظهيرتها في فحوصات دقيقة على أنسجة النباتات، ثم تنفرد بنفسها مساءً داخل العيادة، تكتب ملاحظات شخصية في دفتر صغير.

حياتها على المريخ تشبه المشي على سطح هش؛ كل لحظة فيها قد تكون الأخيرة، لكن الحب الذي بدأ ينمو في قلبها لعادل، أعطاها سببًا لتتمسك أكثر. كانا يتقابلان بعد العمل، يتبادلان الحديث حول مشاريع الطاقة الحيوية ومصادر التربة، وأحيانًا يتأملان السماء الكوكبية الصامتة، يحلمان بما سيكون عليه المستقبل، حتى لو لم يأتِ أبدًا.

في أحد تلك المساءات الثقيلة، بينما كانت تدون بعض الملاحظات على نتائج فحوصات الضغط الجوي، صدح صوت تنبيه خافت من جهازها اللوحي. نظرت، فتسمرت عيناها: رسالة من الأرض. كانت من والدها في بغداد، أستاذ الفيزياء ومؤيد كبير للمشروع الفضائي. كانت مفعمة بالخوف والحب، حيث أخبرها أنه فخور بها، لكنه آسف لأنهم افترقوا في مثل هذا الظرف. وأنه بالرغم من الحرب التي التهمت كل شيء في الأرض، فإنها الأمل الباقي. ورغم أنه لا يعلم إن كانا سيلتقيان مجدداً، فحبها سيبقى دائمًا في قلبه.

الرسالة بالنسبة لهم أكثر من كلمات على شاشة؛ جسرًا من القلب، شريان حياة ينبض بالأمل وسط الظلام. كأنها النسمة التي تعيد لهم دفء الأرض، تذكرهم بأنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك من يفكر فيهم ويتمنى سلامتهم. في لحظة السكون تلك، شعروا بثقل غربة المكان يتلاشى، وتزايدت عزيمتهم على الصمود.

بكت بحرقة. شعرت بأن خيطها الأخير بالأرض بدأ يتلاشى. دخل عليها زميلها المهندس عادل، الذي كان دومًا بقربها، فوجدها منهارة. جلس قربها، استمع بصمت، ثم قال إنه هنا وسيبقى، معترفاً بحبه لها منذ زمن طويل. نظرت إليه، مشوشة بين الحزن والمفاجأة، ثم أرخت رأسها على كتفه، وقالت له أن يبقى وألا يذهب.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت قصة حب خجولة تتسلل بين تفاصيل الحياة اليومية، حب يشبه تنفّسًا عميقًا بعد خنقة طويلة. كانت نظراتهما تلتقي في الممرات الضيقة للقاعدة، تتبادل وعدًا صامتًا بالبقاء. تنمو مشاعرهما كزهرةٍ نادرة بين صخور المريخ، تشق طريقها نحو الضوء برغم الجفاف والبرد والعزلة. ومع كل لحظة دفء بينهما، والقلق من المستقبل يحوم فوق رأسيهما كقمرٍ باهت، فالعزلة طويلة، والاتصال بالأرض هشّ، والغد مجهول. لكنهما تعلّقا بما بينهما كمن يتمسك بخشبة نجاة في محيط من الأسى.

مع مرور الوقت، تعلموا كيف يصنعون الأمل من العدم، ويخلقون الحياة من المستحيل. لم يكتفِ عادل ونورا بالعمل اليومي، بل قادا جهودًا جبارة للبحث عن بدائل لتوليد الأوكسجين، وتجريب طرق جديدة لتحلية الجليد تحت سطح المريخ وتحويله إلى ماء صالح للشرب، بل وحتى محاولات أولية لاستخراج الطاقة من تفاعلات الصخور الحمراء. كانا يزرعان في البيوت الحيوية، يعالجان زملاءهم، يبتكران حلولًا في ورش القاعدة، ويواسيان الأرواح التي بدأت تذبل تحت وطأة الغربة، في عالم صغير بعيد عن كل شيء.

الحب هو الشيء الوحيد الذي لم يفقد وزنه، بل صار هو المحرك الخفيّ الذي يدفعهم للبقاء، ويمنحهم سببًا للاستمرار. وبعد شهورٍ من الصمت والتأقلم القاسي، حيث صار الزمن يتمدد بثقلٍ فوق أرواحهم، تلقّت القاعدة أخيرًا رسالة جديدة من الأرض، تخبرهم بأن الحرب قد انتهت، وتم التوصل إلى اتفاق عالمي للسلام، وأن الاتصالات ستعود قريبًا، وسيتم إرسال أول بعثة دعم خلال أشهر قليلة، وأنهم ليسوا وحدهم.

عانق المستوطنون بعضهم بعضًا بفرح. نظرت إلى عادل، وقالت إن أمامهما الآن فرصة ليحلما من جديد. ابتسم، وقال: دعينا نبدأ بالحلم من هنا، في القاعدة. وفي صباح يوم مشمس على المريخ، تزوجا في ساحة القاعدة، في حفل بسيط لكنه مفعم بالحب والأمل بين الزملاء والعلماء.

حبًا وُلد في أقسى الظروف، لكنه ظل شعلة لا تنطفئ في قلب المريخ الأحمر، يضيء دروب العزيمة والصبر، ليشهد فجرًا جديدًا ليس لهما فقط، بل لكل إنسان يجرؤ على الحلم في وجه العتمة واللايقين.

 


مشاهدات 50
الكاتب فراس عبد الحسين
أضيف 2026/06/14 - 3:35 PM
آخر تحديث 2026/06/15 - 12:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 64 الشهر 13844 الكلي 15889325
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير