لمن تقرع الأجراس؟
عيدٌ لصاحبة الجلالة ولكن
هاشم حسن التميمي
اعتاد الصحفيون العراقيون الاحتفال بيوم الصحافة العراقية في الخامس عشر من حزيران من كل عام، لاقتران هذا التاريخ بولادة جريدة «زوراء» عام 1869، واضبف لها لاحقا ال التعريف( الزوراء) وهي أول جريدة عراقية، ولم يظهر دليل يثبت أسبقية أي صحيفة أخرى عليها، مثل «جورنال».
المهم، ماذا حصدت الصحافة وأهلها بعد 157 عاماً من كفاحها؟
للأسف، وُلدت صحافتنا في ظل الاحتلال العثماني، وما زالت اليوم تصدر في ظل الاحتلال الأمريكي، وبين الاحتلالين عقود طويلة من الصراع مع السلطات التي ترى في الصحافة مجرد حزام ناقل للبيانات والخطب ونشاطات أصحاب المعالي. واليوم تحوّلت أغلب المنابر الإعلامية إلى أبواق وجيوش إلكترونية تسبّح بحمد الحكام ومناقبهم، وتبرّر فشلهم وطغيانهم، فيما تحوّل بعض العاملين فيها إلى كلاب حراسة تنبح وتنهش في سمعة كل معارض أمين. بينما ترى النخب المهنية الأصيلة أن الصحافة صاحبة جلالة، لا تحني رأسها إلا للحقيقة، وتنتقد بلا خوف أو تردد، وهدفها رضا الله والشعب والضمير. وقد تحققت على هذا الطريق منجزات ومواقف، وقدّمت شهداء وتضحيات، وعلى الرغم من ذلك ليس هناك من يسلّط الضوء على هذه المسيرة المشرفة. لان من يتصدر المشهد لايمتلك مثل هذا التاريخ بل العكس هو الصحيح..!
وبين هذا وذاك مسارات وتقاليد وأخلاقيات وامتيازات للطرف الاول ومكون من الحاشية والذّيول؛ لهم كل ما يشتهون ما داموا يطبلون ويزمرون، يقابله حرمان وتهميش، وربما قمع وتنكيل، لطرفٍ آخر هم أصحاب الرسالة المهنية والموقف الشجاع.
وبعد أكثر من قرن ونصف القرن، ما زال دور صحافتنا معطّلاً في قيادة الرأي العام باتجاه انتزاع السيادة وخروج الوطن من قبضة الاحتلال الأمريكي المذل والنفوذ الخارجي المهين، اللذين قادتنا إليهما المحاصصة وساسة الصدفة الذين ارتضوا تحقيق رغبات أطراف خارجية على حساب الوطن والمواطن. وذلك باستثناءات قليلة متمثلة بصحف مهنية، وأقلام شجاعة، ومنصات إعلامية، وبرامج جريئة من أجل الحقيقة. وهناك أخرى تدّعي الشرف ومحاربة الفساد في الفضاء العام، لكنها تقبض من خلف الكواليس وتبيع ضميرها لمن يدفع، وتخدع الناس باستعراضات ومشاهد مسرحية لا تعكس الواقع. والبعض يكتفي باستجداء منحٍ تافهة تُسلَّم بإذلال، فيما يجد آخرون سعادتهم في التزلّف والتقاط صورة مع هذا المسؤول أو تلك النائبة للتباهي. واخرين يغرقون بالمحتوى الهابط وبعضهم مثل الطاووس يستعرض الوان ريشه وبعبر ليس عن قضايا بل فيض نرجسية.
كنا نحلم بصحافة استقصائية جريئة وشجاعة، تنبش أرض الفساد، وتكشف المخفي والمستور، وتحفّز الشعب على ملاحقة لصوص المال العام والعملاء والدخلاء على أنظمة الحكم. ونشعر اليوم بالحزن لوجود طاقات وقدرات إعلامية كبيرة من مختلف الأجيال معطّلة، لم تتح لها الفرصة الكافية ولا حرية التعبير لقول الحقيقة ونشرها بين الناس، ومحاصرة مرتزقة الحكم من الفاشلين والمزوّرين واللصوص.
والمؤسف أن ساسة الصدفة وأثرياء المال الحرام نجحوا في تجنيد مرتزقة وجيوش من المنافقين والأبواق، يصفهم البعض بالصحفيين، وبينهم انتهازيون ومتسلقون شوّهوا صورة المهنة. تبّاً لمن خان الرسالة والأمانة، وجعل همّه المنافع الشخصية والتقاط فضلات الموائد وعظامها.
تحية لمرفوعي الرؤوس بقول الحقيقة، والمهانة لرافعي الكؤوس وخافضي الرؤوس لأسيادهم الذين باعوا السيادة.
إن عيدنا الأكبر هو استقلال البلاد، واجتثاث الفساد، واستعادة سلطة وكرامة صاحبة الجلالة، وتطهيرها من المرتزقة الذين يتسوّلون على أبواب الوزارات والسفارات وتجار السحت الحرام ومقاوليه.
وننتظر معركتنا الكبرى لتحرير العراق أرضاً ومياهاً وسماءً واقتصاداً وإدارةً وإرادةً من الهيمنة الأجنبية، ومن تحكّم اللصوص بمستقبل البلاد وكرامة العباد.
أيها العيد، لن نحتفي بأيامك إلا بعد عودة السيادة والكرامة إلى الوطن وإلى الصحافة، لتكون فعلاً صاحبة جلالة، لا خادمة في البلاط الفاسد.