الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الذاكرة بلا ماء وبلا مرافئ وبلا صوت كل هذا في رواية ذكريات معتقة باليوريا للروائي علي الحديثي


الذاكرة بلا ماء وبلا مرافئ وبلا صوت كل هذا في رواية " ذكريات معتقة باليوريا " للروائي علي الحديثي

قاسم ماضي

 

للورق الأبيض صهيل ينزف ُمنه هذا الالم ُ المخبأ في روح الإنسان الطافية على بئر من العذابات والصراخات المكبوتة التي تشل حركة هذه الروح ، فجاءت جميع هذه الأوراق البيضاء مكبا لهذه الظلمة المنتشرة في روحه التي تحمل أنين الشعر والفلسفة في بلاد دخلها الإغراب .ووشموا على ذاكرة أبنائهم أكاليل الأسيجة والجسد الأسير.وعاديات الوحدة والألم .

 فقدم الغازي تجولت بكل دناءة من أجل سحق المزيد من أصحاب الأرض ، بعدما سحقت هذا النظام العفن الذي سيطر على مقدرات أهله وصال وجال بتعذيبهم .هذه الأوراق التي وضع فيها الروائي " الحديثي " والتي تزيد على أكثر من 216 ورقة من القطع المتوسط ، وطبعت في دار نشر فضاءات .

يقول " خرجت ملتحفاً ظلمات الليل لتحجبني عن نظرات الناس التي لا ينجو منها أحد ، إلا أنها لن تستطيع أن تضلل عيون الجهات الأمنية التي اخترقت حتى غرف نومنا " وعند رأس الدربونه " وقفت ، رأيت سيارتهم عند نهاية الشارع " ً150

إشتغل الروائي " الحديثي " على أهم مرحلتين عشناها هي مرحلة النظام السابق والاحتلال واستطاع ان يدخلنا وهو الواضع لكل شاردة وواردة هذا الأنين اليومي بكل ثقله على أرواحنا من خلال شخوصه التي كانت بمثابة أجساد معطوبة يراودها الأمل ومن هذه الشخوص التي أخذت عجلتها تنمو تبعا لسير احداث هذه الرواية .نذكر منهم علاء ، الشيخ عبد الحليم ، أبا عمار ، سعيد " وغيرهم

يقول الناقد والكاتب التونسي " فوزي الديماسي " رواية " علي الحديثي " نص يحتفي بالتافه والهامشي من الأحداث ، وكأنه يرسم بريشته الصمت أو اللامبالاة ، لذا يقرأ النص من خطوطه المتسترة الخلفية المضمرة لنقف على حجم المأساة وعمق الجرح الذي يحياه جيل كامل في العراق المغدور، جيل يعيش تجربة السجن الأصغر والسجن الأكبر ، وبينهما آمل ضعيف نحيف وحرمان متفق ، عراق كما الأم الثكلى ، كسداد ونهاد ، صور ضبابية الخطوات جريحة الحنجرة ، لا حياة يضطرب بين ضفتيها ، صباح منشود كما الحب ، الحياة داخل النص المعتقل ، الذاكرة بلا ماء ، بلا مرافئ بلا صوت .وهنا أقف حائرا مالذي دعاه أن يرسم لنا عوالم ابدعه كونه كاتب يعيش بين سطور الكتب ، ويضع لنا خارطة من التشاؤم لهذا المبدع الذي اقتيد عنوة من قبل المحتلين إلى أقبية السجون ، حتى أن جميع عناوين الرواية هي عناوين فلسفية رسمها بدقة محترف ليسهل علينا إستنباط هذا الواقع المرير الذي عاشه الإنسان العراقي ومنها " سارتر واليوت ، التجريد ، نقطة سيزيف ، وغيرها وهو يضعنا امام خط فلسفي منذ بداية الرواية وفي صفحاتها الأولى ، كي يقول لنا " الحديثي سيرته المخبأة بين روحه وهو يعطي للروح أكثر أهمية من الجسد .

" وكا لماء الزلال أنسابت روحي عبر الأثير نحو الصوت ، وهو يملأ الوجود هدوءاً وصفاء ًا ، كانت كلمات الصوت تحلق كطيور في سماء صافية ، صوت تلقفته الروح كما يتلقف الصائم قدح الماء ، ولامس شغاف القلب ملامسة أشعة الشمس لقلب خائف " ص48

 وظل الروئي " الحديثي " يرسم لنا ملامح غربته وهو في وطنه المحتل ، وكأنه يضع نفسه وما يحيطه في هذا الكمب بالغريب حيث يتحكم به هؤلاء الجنود من الأمريكان ، الذين يتلاعبون  بهم ،وظل حلمه مقتصرا على كلمة " الافراج " التي ظلت عالقة في ذهنه وروحه المشدودة الى بيته ، زوجته ، اطفاله ، أمه ، ومدينته  لا شيئ حقيقي يمكننا أن ننتظره هنا سوى حروف " الإفراج " حروف هي ألذ من الماء بين شفتي الصائم .

" في الغربة تتحول الوسادة إلى كائن يتقن فن الغدر ، تغريك بأنها موطن الراحة من التعب ، وملجأ الروح المنهكة ، إلا أنك تضع رأسك عليها حتى تبدأ بوخز الذكريات التي تأّخذ بالتملل والهيجان ، ويتحول ذلك المستطيل الذي يتخذ أشكالاً شتى إلى شاشة سينمائية تعرض لك مشاهد مبعثرة من الأمس " ص173

مشتغلا  على مرتكزات جديدة أراد منها أيصال هدفه الأسمى الذي هو المعبر الأساسي لدخول عوالمه باعتبار الرواية سرد نثري طويل يتقنه الروائي ويصب جام غضبه ومعاناته مستعرضا نماذج من  رجال الدين ومحاولاتهم  تأطير معظم ايات القران لتخدم مصالحهم الشخصية ، ويبدو هذا الموضوع الذي أنشغل فيه " الحديثي " وفي رواياته المتعددة حيث يقول عنه

الناقد " حسين كامل سعدون " في رواية ثقوب عارية للروائي " علي الحديثي " أن تكون روائيا هو ان تعري الأشياء من تفاصيلها ،ولهذا الرواية أخذت حيزا عن عالم الفلسفة الدينية التي نحن بصددها وهي تعرية هذه المفاهيم المغلوطة التي لا تجيب على كل الأسئلة في الوجود ، وفلسفته عبر نقاشه الطويل مع أحد الشيوخ " حارث " أو أبو حارث ، وهذا التجوال في عالم فلسفته الدينية التي ينظر لها بنظرة مختلفة عن بقية الشيوخ الذين هم معتقلين معه في هذا المكان ، وتلك الكرفانات الموحشة والتي شكلت له وحدته ليصرخ ماهي العورة ، ليقول لنا

" فالدين كان في مواجهة الأفكار الأخرى ،أريد الآية التي تتحدث عن ظهور العورة ، أو كما سماها القران " بالسوأة " ليكمل حديثه لكنهم لا يشرعون ، أنا لا أنتقص منهم ، ولكن آراءهم لا تؤخذ مأخذ التحريم والتحليل ، آراء قيلت في وقتها ، وقد آن لعلماء الإسلام اليوم أن يعيدوا صياغة تلك الآراء بما يتناسب مع الواقع  ص186

ومن مسؤولية الكاتب أن يفتح الطلاسم ويعبر عنها بكل ما يملك من مفردة وخيال باعتبار الرواية هي محاولة لسبر  اغوار  في تفاصيل الحياة ، والحديثي يكتب عن يومياته وما يراه في واقعه المزري من أحداث تؤثر سلبا على روحه ، فحول الورق الأبيض إلى عالم مثقوب وجسد فيه كل آهاته . وحين كتبت الرواية بعد عام 2003 لتظل وثيقة تاريخية لجميع الآجيال ، وهي واحدة من الروايات المهمة التي ركزت على هذه الفترة المظلمة واعتقال الإنسان في وطنه ومنهم " علي الحديثي " لتكون من روايات السيرة . ومن المفارقات في هذه الرواية والتي كانت بمثابة طلقة في رأس الخونة .

" لقد جئنا لنخلصكم من صدام حسين ، فلماذا تقتلونا " ؟ص194

من هو المعتقل هنا ؟ نحن أم الأمريكان ؟ من هو الخائف من الآخر ، كلانا في مكان واحد ، فجاءت الرواية تحليقا في عوالم  الروح الهائمة من شدة الواقع المأزوم الذي ترسمه السياسات والايدلوجيات الباحثة عن السيطرة وتدمير الإنسانية .حروب قتال بين مذاهب وقوميات ، بكاء ، الأطفال ، انفجارات ، دموع ، رقص على رمال الشواطئ ، مآذن تكبر ، آجراس الكنائس

حالات كثيرة تثير فينا هذا الألم الكبير ،وهي سيرة ذاتية مفعمة بالظلام منذ لحظات الإعتقال وتفاصيل السجن .

يقى ان نذكر ان  الكاتب " علي الحديثي " كان قد نشر  عدة  نصوص   قصصية  في الصحف المحلية والعربية ، وقد صدرت  له روايات  ومنها " ذكريات معتقة باليوريا عام 2015 ، وجئت متأخراً عام 2016 ، ومجموعة قصصية بعنوان " المعبث " عام 2013 ، وفازت قصته القصيرة " يسكت زوربا " بالمركز الأول في مسابقة دار ضاد في مصر .

 

 

الذاكرة بلا ماء وبلا مرافئ وبلا صوت كل هذا في رواية " ذكريات معتقة باليوريا " للروائي علي الحديثي .

الذاكرة بلا ماء وبلا مرافئ وبلا صوت كل هذا في رواية " ذكريات معتقة باليوريا " للروائي علي الحديثي .


مشاهدات 42
الكاتب قاسم ماضي
أضيف 2026/05/16 - 4:44 AM
آخر تحديث 2026/05/16 - 5:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 209 الشهر 14541 الكلي 15259735
الوقت الآن
السبت 2026/5/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير