الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كي لا ننسى ذكرى قصف  ملجأ العامرية

بواسطة azzaman

كي لا ننسى ذكرى قصف  ملجأ العامرية

قتيبة آل غصيبة

 

يا أمةً صمتت...

في الزمن البارد من فجر يوم ثلاثاء، الثالث عشر من شباط/فبراير عام 1991، كانت بغداد تغط في نومها الثقيل، تحتمي من ويلات حربٍ لا ذنب لها فيها. كان ملجأ العامرية، ذلك الصرح الخرساني الصامد في قلب حي سكني، قد فتح أبوابه لاستقبال الأهل: نساء يجهزن الفطور، أطفال يحلمون بألعاب الغد، وشيوخ يستذكرون أياماً مضت. كان الملجأ، المصمم ليحمي من أهوال القنابل، هو الملاذ الأخير للأبرياء .

وفي غفلة من الزمن، وفي صمت دولي مطبق، حطّت طائرتان من طراز F-117 في سماء المنطقة. لم تلقيا منشورات تحذير، ولم ترسلَا إشارات إنذار. أطلقتا قنبلتين «ذكيتين» زنة كل منهما ألفا رطل . الأولى فتحت السقف المحصّن، والثانية نفذت إلى الطابق الأرضي حيث الرقاد العميق، حيث الطمأنينة الزائفة. تحول الملجأ في لحظة إلى جحيم. اشتعلت النيران، وانصهرت الأجساد مع الخرسانة، وتطايرت أشلاء الأطفال مع الحطام. «تحولت مئات الجثث إلى رماد، ولا تزال أجزاء من جلودهم وشعورهم ملتصقة بالجدران» .

حصيلة الفجر الدامي: أكثر من 408 شهيداً . كان بينهم 261 امرأة، و52 طفلاً، أصغرهم رضيع لم يتجاوز عمره سبعة أيام، لم يُعثر له على أثر . أُغلقت الأبواب المحصنة بإحكام على الموت، فلم يدخل منجد، ولم يخرج طالب نجاة .

إنها جريمة حرب مكتملة الأركان.

وفقاً للقانون الدولي الإنساني، وتحديداً البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، فإن الملاجئ المخصصة لحماية المدنيين هي «أعيان مدنية» تتمتع بحصانة مطلقة من الهجمات . وقد نصت المادة (52) على حظر مهاجمة الأعيان المدنية. إن ملجأ العامرية كان يقع في قلب منطقة سكنية، وكان معلوماً للجميع، بمن فيهم الاستخبارات الأمريكية، أنه يؤوي مئات العائلات ليلاً .

تبرير الولايات المتحدة بأن الملجأ كان «مركزاً للقيادة والسيطرة» هو تبرير واهٍ سقط أمام مشاهد الجثث المحترقة وألعاب الأطفال المتفحمة تحت الأنقاض. لم يصدر أي إنذار مسبق للقصف، كما يوجب القانون (المادة 57) . هذا القصف المتعمد لمنشأة مدنية بحتة، مع معرفة تامة بأنها تؤوي نساءً وأطفالاً، يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، ويُصنف قانونياً على أنه «جريمة حرب» لا تسقط بالتقادم .

رحمة الله عليكم...

أم غيداء، التي فقدت تسعة من أهلها في المذبحة، تقف اليوم شامخة كالجبل، تقول: «اسمي الحقيقي نسيته وانقتل وياهم، فتلقبت بأم غيداء أم الشهيدة، وخنساء العامرية، وأم الشهداء» . وأم حسين، التي وضعت فلذات كبدها في الملجأ طلباً للأمان، تصرخ في وجه العالم: «ذبحوا ابني عمره 17 سنة، ذبحوا بنتي يوم عيد ميلادها 15 سنة... حسبي الله عليهم» .

أيتها الأرواح الطاهرة التي صعدت إلى بارئها في ذلك الفجر الحزين، سلامٌ عليكم. سلامٌ إلى أطفال سالي وعمار وغيداء. سلامٌ إلى من ناموا مطمئنين فصحوا على موت محقق. سلامٌ إلى أصواتكم التي علقت في الجدران، أنتم الشهداء، وأنتم الضمير الحي لهذه الأمة.وتبقى العامرية جرحاً نازفاً في ذاكرة العراق، وشاهداً على جريمة لم يرتكبها طيار فقط، بل صمت عالم كامل. يبقى هذا الملجأ، بجدرانه المتفحمة وصرخاته المتحجرة، نصباً مفتوحاً يذكر البشرية كلما نسيت: أن «الأضرار الجانبية» هي أرواح، كان ينبغي للقانون أن يحميها، وللإنسانية أن تصونها .إلى متى يفلت مرتكبو جرائم الحرب من العقاب؟ وإلى متى تبقى دماء الأبرياء العراقيين رخيصة في ميزان العدالة الدولية؟

وإنا لله وإنا إليه راجعون... وحسبنا الله ونعم الوكيل على الظالمين المجرمين الامريكان والصهاينة وأعوانهم...

 

 


مشاهدات 75
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/02/16 - 12:57 AM
آخر تحديث 2026/02/16 - 2:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 108 الشهر 12026 الكلي 13943670
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير