إستفاقة
هدى جاسم
عندما استفاقت من غفوتها الطويلة ذات صباح وجدت ان الحياة اجمل مما كانت ترسمه لنفسها .. فكل من حولها كانوا يعيشون حياتهم رغم العثرات والهفوات والفشل ووجع الفراق الا هي كانت تحمل هما ووجعا يفوق سنوات عمرها بكثير ، وجدت ان الايام تمضي وهي تدور بنفس المكان وتتخذ من الاخرين اهدافا لها لتسعدهم بكل الطرق الممكنة وترفع عنهم ويلات حزن قد مضى ، وجدت ان العالم يتغير والصغار قد كبروا واهدافهم قد تغيرت واصواتهم باتت تنادي على اسماء مختلفة لاتعرفها ، استفاقت وكانت خالية اليدين محملة بالذكريات وقلب ينبض بالحب لاناس صاروا مع الوقت ابعد مايمكن عنها .
استفاقت وقررت ان تعيش وتطلق لصوت اغانيها العنان في كل مكان، تبحث عن الورد وتستمع بعطره ، لا تداري خصلات شعرها الابيض باصباغ مزيفة فاالاعمار بما نعيش لا بما نمضي بها ، قررت ان تضحك بصوت على مافات وتبتسم لما قد يحصل ، الحزن قادم والفرح قادم كلاهما شعاران للحياة وعلى الجميع تقبل واقع الحال ، بدت اكثر شبابا من يوم قد مضى ، اكثر وعيا بان الحب عطاء لكن ليس بلا حدود فالحدود حدود الذات التي تطالبنا بالحب ايضا وعلينا رعايتها كما الاخرين ، الجميع سعيد بعطائها الاهي كانت تجتر الحزن وتعيد تكراره على نفسها، تخجل من الابتسامة وهي موغلة بالفقد وموجوعة بالرحيل الذي اثقل حياتها بالمسؤولية .
اخيرا استفاقت وقررت ان تبحث عن اصابعها ، خطواتها ، طفولتها ، شبابها ،ثيابها ، ترى مالذي سيعيد لها ايام مضت دون رجعة ؟ سالت نفسها وقالت انا من سيعيد ايامي .. تبرعت بثيابها ورسمت لوحة على جدران بيتها ،حملت صورا قديمة ووزعتها على زوايا حياتها ، هنا طفلة وهنا شابة وهنا بين الاصدقاء ، هنا امي واخوتي وكل اهلي ، هنا شوارع مدرستي القديمة وابواب جارنا الطيب .
نظمت ايامها وبدت اكثر حيوية ونظرت في المرأة لتجد ان تجاعيد الحزن قد توارت والخوف قد اختفى وتهدج الصوت تبدل بالاغنيات الناعمة لفيروز الصباح ، ادركت حينها ان الحزن صناعة والفرح صناعة وان كانت الاقدار تسوقهما الينا لكننا بفعل انفسنا نتوغل فيهما حسب ارادتنا وبفعل فاعل هو الذات التي نجلد بها ارواحنا دون ان نعلم .
اعادت لنفسها الثقة بان الحياة مازالت ابوابها مشرعة لمن يريد وعلينا اختيار الباب الذي لانؤذي فيه انفسنا او نؤذي احد ونتمسك بما اراده الله لنا مع السعي لنكون الافضل امامه وامام انفسنا بعيدا عن الحزن والوجع والحداد على ماتبقى من ايام لنا في هذا العالم الذي قد يباغتنا في اي وقت بامتحان نضعف امامه ونعيد كرة الوجع والسياط على جلودنا التي لاتحتمل بعد اليوم اي ضربة جديدة .