هاشتاك الناس
تأملات فلسفية متأخّرة
ياس خضير البياتي
يا لها من غريبة تلك العودة، وياله من شعور أن تقابل نفسك السابقة كما لو كانت شخصًا آخر غريبًا! عدتُ ليس لاسترجاع ما كان، بل لأتحقق مما إذا كنتُ لا أزال الشخص ذاته. هل يمكن للمرء أن يعود حقًا؟ أم أنه يصل متأخرًا إلى حلم كان يجب أن يتحقق في زمن مختلف، وفي جسم آخر، بوجه لم تتعبه السنوات ولا التجاعيد؟
لقد اكتشفت أن الوطن ليس مجرد المكان الذي وُلدت فيه، بل هو ذلك الإحساس الغامض الذي يحيط بك عندما لا تجد مكانًا تتجه إليه، غير ما لا يمكن التخلي عنه. الوطن ليس الجواب، بل السؤال؛ هو الجرح الذي يلتئم عندما تنظر إليه، لكنه ينزف كلما حاولت أن تنساه. فهل الوطن شيء ملموس؟ أم هو مجرد وهم جماعي، نحمله كما نحمل الأساطير، نغنيه في مغترباتنا، ونشتمه حين نعود؟
عدتُ، لا لأني عثرت على الوطن، بل لأن الغربة قد أرهقتني، وذاك الشعور بالانفصال ضمن الغربة، والبحث عن مغزى الحياة في عواصم لا ترى فيك سوى رقم في جواز سفر، أو محفظة تتحرك على قدميها.
لم يعد التدريس مصدر دخل فقط، بل تحول إلى صيغة من أشكال المقاومة. شرح المعلومات يعني إضاءة؛ الكتابة على السبورة تعني فتح نافذة في جدار مغلق. عندما تعيد فتح كتب قديمة أمام أعين جديدة، فإنك تؤكد أن المعرفة لا تزال حية، وأن الكلمة تحتفظ بسلاحٍ خفي.
لكن أن تُعلّم في زمن فقد المعنى، هو أمر شاق. لم يكن الطلاب سيئين، بل يشعرون بالضياع. وُلِدوا في زمن سريع، مكتظ، يبتعد عن التفكير العميق. أصبحت عقولهم كصواني انتظار إشعارات. أفكارهم تتلألأ ثم تختفي. هم جيل يعرف كل شيء، ولكنهم لا يفهمون شيئًا. يعرفون كيفية البحث لكنهم لا يدركون سبب البحث. هم يمتلكون قدرة كبيرة على طرح الأسئلة، لكنهم لا يتعلمون الانتظار للجواب.
هنا، أدركت أنني لست مُدرسًا تقليديًا، بل أصبحت كراهبٌ في معبد العقل، أؤمن بأن غرس سؤال أهم من إعطاء ألف إجابة. بدأت أتحدث معهم عن سقراط بدلاً من المنهاج، وعن نيتشه بدلاً من المعلومات المحفوظة، وعن غاندي عوضًا عن صفحات التاريخ.
أخبرهم عن قيمة الشك، عن أهمية التمرد، عن جمال الفكرة حين تتعارض مع المألوف. أليس التعليم الحقيق هو أن تدفع الطالب ليشك حتى فيك؟ أن يراك كوتَر في آلة تفكيره، وليس كقديس على منصة؟ ولكن دائمًا ما ترافق السخرية الفلسفة. فأي معنى للفلسفة إلا أنها محاولة عبثية لاستيعاب ما لا يمكن استيعابه؟
ها أنا الآن أعلم في بلد لا يعترف بالعقول. أُدرس الحرية بينما أملأ استمارات لا تنتهي. أشرح عن الهوية وأنا في حيرة: هل أنا من هذا الوطن، أم مجرد ضالٍ فيه؟ هل عدت لأشعر بالشفاء، أم لأعيش الألم بوعي؟
في كل محاضرة، أطرح السؤال: لماذا نعلم؟ ولا أجيب. أترك السؤال معلقًا، لأنه كلما اقتربنا من الجواب، يصبح المعنى أكثر بعدًا. وهكذا، يا صديقي، لم أعد، بل وقعت في فخ السؤال الأبدي: ما هو الوطن؟ من أنا؟ ولماذا نتمسك بالعودة رغم معرفتنا أن الطريق لن يعيد إلينا أنفسنا؟
العودة للوطن ليست مجرد رجوع إلى تراب معين، بل هي هبوط في عمق الذاكرة، وسقوط في الزمن، حيث تتداخل الأطلال مع الوجوه، وتتحول الأماكن إلى تساؤلات غير منتهية. أما التعليم، فهو وقوف قوي عند حدود العبث، وعبادة فكرية في معبد رمادي. في زمن بات فيه الصمت أكثر تعبيرًا من أي منهج، ومحاولة يائسة لإشعال ضوء في كهف لا يؤمن بالنور.
yaaas@hotmail.com