الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تأملات في الحرب بعصر الاتصال

بواسطة azzaman

تأملات في الحرب بعصر الاتصال

إبراهيم البهرزي

 

لم تعد الحروب، في زمن الاتصال الفوري والذكاء الاصطناعي، تشبه تلك الصورة  الكلاسيكية التي ألفناها بوصفها انفجارًا أعمى للعنف.

لقد تحوّلت على نحو متزايد، إلى ما يشبه عرضًا  مسرحيا مُعدًّا سلفًا.

فصارت تُضبط إيقاعاته، وتُعلن مشاهده قبل وقوعها، وتُدار وفق منطق الرسائل المتبادلة أكثر مما تُدار وفق منطق  المباغتة والإبادة.

في الحروب الحديثة، كثيرًا ما يُبلِغ الخصمُ خصمَه بموعد الضربة، أو يُسرّب نواياها عبر قنوات دبلوماسية وإعلامية،

فيما يحدّد الطرف الآخر شكل الرد ومكانه قبل أن ينفّذه.

لا يعود الصراع هنا مفاجأة، بل حدثًا متوقَّعًا، أقرب إلى مشهد (مسرحي) نعرف فيه تفاصيل النص المكتوب!، حتى وإن  فاجأتنا بعض تفاصيله بمثل ما يفاجئنا ممثلون يخرجون عن النص ويرتجلون .

هذه “المسرحة” لا تعني غياب العنف، بل تعني عقلنته وتدويره ضمن منطق جديد، مفاده الظاهري هو تقليل الخسائر البشرية قدر الإمكان، وتوجيه الضربات بدقة رمزية، بحيث تكون الرسالة السياسية أهم من الفعل العسكري المباشر.

فالضربة الناجحة ما عادت تُقاس بعدد القتلى، بل بقدرتها على ترسيم خطوط الردع، وحفظ  ذلك التوازن الهشّ بين التصعيد وعدم الانفلات.

يلعب عصر الاتصال دورًا مركزيًا في هذا التحوّل. فالصورة، والتصريح، والتغريدة، والمؤتمر الصحفي، باتت جزءًا من المعركة ذاتها.

وصارت الحرب تُخاض أمام الجمهور العالمي لحظة بلحظة، وتُصاغ روايتها بالتوازي مع وقوعها. وهكذا يصبح المتلقي طرفًا غير مباشر في النزاع، فيما تتحول الجبهات إلى فضاءات رمزية لا تقل شكلا عن اي بلاتوه لتصوير فيلم سينمائي او اية خشبة مسرح .

أما الذكاء الاصطناعي، فقد أضاف طبقة جديدة من البرودة إلى الحروب.

فالخوارزميات تحلل، وتتوقع، وتقترح السيناريو الأقل كلفة والأكثر جدوى. بل وصارت الضربة تُحسب كما يُحسب المشهد السينمائي .. زاوية التصوير، وتوقيت العرض وحجم التأثير، بل وحتى حدود الأخطاء المسموحة.

نحن أمام حرب تُدار بالعقل الحسابي أكثر مما تُدار بالتخطيط من قبل قيادات الأركان، وصارت تدار بالحسابات  الرقمية أكثر مما تُدار بحس المغامرة والمباغتة والخدع الحربية.

غير أن هذا التحوُّل، على الرغم من تقليله النسبي للضحايا كما يشاع إلا أنه لا يخلو من مفارقة أخلاقية عميقة.

فحين تتحول الحرب إلى عرض مسرحي او سينمائي محسوب  سيصبح العنف حينها مقبولًا ما دام “نظيفًا”، ومشروعًا ما دام “محدودًا”، وسوف تُفرغ المأساة من فوضاها، ويُروّض الرعب ليغدو مشهدًا يمكن استيعابه إعلاميًا.

وهنا مكمن الخطر:

أن نفقد حساسيتنا تجاه الحرب لا لأنها انتهت، بل لأنها صارت مألوفة ومؤطرة وجاهزة للاستهلاك.

لقد انتقلت الحروب من منطق الكارثة إلى منطق الإدارة، ومن صدمة الحدث إلى رتابة المشهد المتكرر، ولم تعد الحرب إعلان فشل شامل للسياسة، بل أداة دقيقة ضمن أدواتها.

وبينما يبدو هذا التحول أقل دموية، فإنه أكثر إلتباسًا:

لانها حرب بلا نهاية واضحة، وبلا نصر حاسم، وبلا سلام حقيقي.

وفي عصر الاتصال، لا تُخاض الحروب فقط بالسلاح، بل بالإخراج الفني!!، ولا تُقاس فقط بما تُدمّره، بل بما تُظهره وتخفيه.

وهكذا، فيما تقلّ أعداد القتلى (نسبيا بالقياس للحروب التقليدية) فسوف تتضاعف الأسئلة من مثل:

هل أصبحنا أكثر إنسانية، أم أكثر براعة في إخفاء العنف؟

هل المسرح، حين يؤطر هذه الحرب، يخفف من فظاعتها… أم يمنحها شرعية جديدة؟!!


مشاهدات 47
الكاتب إبراهيم البهرزي
أضيف 2026/01/21 - 3:47 PM
آخر تحديث 2026/01/22 - 1:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 16474 الكلي 13523897
الوقت الآن
الخميس 2026/1/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير