إعادة تأهيل شارع الرشيد وإحياء دور السينما بوصفها ذاكرة مدينة
جواد الرميثي
يُعدّ شارع الرشيد واحداً من أهم الشواهد الحيّة على تاريخ بغداد الحديث ، فهو ليس مجرد شارع تجاري عريق ، بل فضاء ثقافي واجتماعي شكّل وجدان أجيال متعاقبة من البغداديين والعراقيين عموماً .
على امتداد عقود من الزمن ، كان هذا الشارع مسرحاً للحراك الثقافي والفني ، وموطناً لدور السينما والمقاهي الأدبية والمكتبات التي صنعت ملامح المدينة وهويتها الحضارية .
اليوم ، ونحن نتطلع إلى إعادة تأهيل شارع الرشيد عمرانياً وخدمياً ، ينبغي أن يكون المشروع أوسع من مجرد ترميم واجهات الأبنية أو تبليط الأرصفة ، بل هو مشروع لإحياء الروح الثقافية التي تميّز بها الشارع ، فالعمارة وحدها لا تكفي إن لم تُعاد الحياة إلى المضمون ، وفي مقدمة ذلك إعادة فتح دور السينما التي كانت تتلألأ على جانبيه ، مثل سينما الزوراء ، وروكسي ، والرشيد ، والوطني وغيرها من الصالات التي احتضنت أجمل ذكريات الفن السابع في العراق .
إن إعادة فتح دور السينما في شارع الرشيد تمثل خطوة استراتيجية في مسار استعادة بغداد لدورها الثقافي ، فالسينما ليست ترفاً ، بل صناعة ثقافية واقتصادية تسهم في تنشيط السياحة الداخلية ، وخلق فرص عمل ، ودعم الإنتاج السينمائي الوطني ، فضلاً عن كونها فضاءً للتلاقي والحوار والانفتاح .
أن وجود صالات عرض حديثة في شارع يحمل كل هذا التاريخ سيمنح الشباب نافذة حضارية بديلة عن الفراغ الثقافي الذي تعاني منه المدينة .
ومن الناحية التراثية ، فإن دور السينما القديمة تُعدّ جزءاً من الذاكرة المعمارية والاجتماعية للعاصمة . إن الحفاظ عليها وترميمها وفق معايير علمية ، وتحويلها إلى مراكز عرض سينمائي ومسرحي وثقافي متعددة الاستخدامات ، سيجعل من شارع الرشيد منطقة جذب ثقافي حقيقية ، على غرار الشوارع التاريخية في العواصم العالمية ، التي تحوّلت إلى فضاءات نابضة بالفن والموسيقى والمسرح والسينما . إننا بحاجة إلى رؤية متكاملة تشترك فيها أمانة بغداد ووزارة الثقافة والسياحة والآثار ونقابة الفنانين العراقيين والقطاع الخاص ، لوضع خطة شاملة لإعادة تأهيل الشارع وإحياء دوره الثقافي .
ويمكن أن تتضمن هذه الرؤية إطلاق مهرجان سينمائي سنوي يُقام في صالات شارع الرشيد بعد إعادة تأهيلها ، ليكون رسالة واضحة بأن بغداد عادت مدينة للضوء والصورة والحلم .
إن إعادة تأهيل شارع الرشيد ليست مجرد مشروع عمراني ، بل هي استعادة لجزء من هوية بغداد ، وفتح دور السينما فيه ليس مجرد نشاط ترفيهي ، بل إعلان عن عودة الحياة الثقافية إلى قلب العاصمة ، فحين تضاء شاشات السينما من جديد في شارع الرشيد ، ستضاء معها ذاكرة مدينة بأكملها ، وسيعود الشارع إلى مكانته التي يستحقها: شارعاً للثقافة ، وفضاءً للجمال ، ومرآةً لحضارة العراق.