التمييز بين الصراحة والوقاحة في الخطاب الاجتماعي
جبار فريح شريده
تُعدّ اللغة أداة أساسية في بناء العلاقات الإنسانية، إذ من خلالها تتشكل المواقف وتُبنى الثقة أو تُهدم. وفي هذا السياق يبرز خلط شائع بين مفهومي الصراحة والوقاحة، حيث يبرر بعض الأفراد الأسلوب الجارح بحجة الصدق، بينما يغيب عنهم الفرق الجوهري بين التعبير المسؤول عن الرأي، والتعدي اللفظي الذي يمس كرامة الآخرين. ومن هنا تبرز أهمية التمييز الدقيق بين المفهومين على المستويين الأخلاقي والاجتماعي.
الصراحة في جوهرها قيمة أخلاقية تقوم على قول الحقيقة بوضوح وشفافية، مع الالتزام بالاحترام ومراعاة السياق. وهي ترتبط غالبًا بحسن النية، إذ يكون الهدف منها الإصلاح أو التوضيح أو تقديم النصح البنّاء. فالصراحة لا تنفصل عن المسؤولية، بل تستدعي وعيًا بتأثير الكلمات في المتلقي، وإدراكًا لحدود النقد المقبول اجتماعيًا.
أما الوقاحة فهي سلوك لغوي يتسم بالتجريح أو الاستعلاء أو التقليل من شأن الآخر، سواء تضمّن الكلام حقيقة أم لم يتضمن. وهي تفتقر إلى الاعتبار الأخلاقي لمشاعر الآخرين، وتُقدّم الرأي بأسلوب فجّ يفتقر إلى اللياقة. ومن الناحية الاجتماعية، تؤدي الوقاحة إلى توتر العلاقات وتآكل الثقة، لأنها تضعف الاحترام المتبادل الذي يُعد أساسًا لأي تفاعل صحي.
ويكمن الفرق الأساسي بين الصراحة والوقاحة في عنصرين رئيسين: النية والأسلوب. فالصراحة تتوجه نحو الفكرة أو السلوك، بينما تستهدف الوقاحة الشخص ذاته. كما أن الصراحة تستخدم لغة معتدلة تسعى إلى الإقناع، في حين تعتمد الوقاحة على الصدمة أو الإهانة. ومن ثمّ، فإن الادعاء بأن الوقاحة نوع من الجرأة أو الشجاعة إنما يعكس قصورًا في فهم أخلاقيات الحوار.
إن المحافظة على التوازن بين الصدق والاحترام تمثل ضرورة أخلاقية في المجتمعات المعاصرة. فالحقيقة لا تفقد قيمتها إذا قُدّمت بلطف، بل تزداد قبولًا وتأثيرًا. ومن هنا، فإن الوعي بالفارق بين الصراحة والوقاحة يسهم في ترسيخ ثقافة حوار قائمة على المسؤولية والاحترام المتبادل، بدلًا من التبرير غير الواعي للإساءة تحت غطاء الصدق.