الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السوق العراقي بين الطموح واليأس

بواسطة azzaman

السوق العراقي بين الطموح واليأس

هدى زوين

 

يمثل السوق العراقي أكثر من مجرد مكان لتبادل السلع والخدمات، فهو مرآة الواقع الاجتماعي والاقتصادي، يعكس بوضوح التوازن الهش بين الطموح البشري والإحباط الناتج عن الأزمات المستمرة. خلال السنوات الأخيرة، واجه الاقتصاد العراقي تحديات مركبة، من تقلبات الأسعار وارتفاع معدلات التضخم إلى ضعف السيولة وتراجع القدرة الشرائية، ما أثر بشكل مباشر على سلوكيات التجار والمستهلكين على حد سواء.

رغم هذه الصعوبات، ما زال الطموح الاقتصادي قائمًا بين شرائح المجتمع، خاصة الشباب الذين يسعون إلى فرص جديدة عبر المشاريع الصغيرة والتجارة الرقمية والمهن الحرة. هذا الطموح ليس مجرد رغبة شخصية في تحسين مستوى المعيشة، بل يعكس قدرة الإنسان العراقي على التكيف مع الظروف القاسية وإيجاد فرص للنمو وسط قيود كبيرة. الكثير من هؤلاء الشباب يسعون لتحقيق استقلالية اقتصادية، بينما يحاولون الموازنة بين الطموح والقيود المالية والاجتماعية التي تفرضها الأزمة الاقتصادية المستمرة.

إلا أن اليأس الاقتصادي يظل حاضرًا كظلال ثقيلة فوق هذا الطموح. الانخفاض المستمر في القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وغياب الاستقرار في أسعار السلع الأساسية، جعل السوق مليئًا بالمخاوف اليومية. العديد من التجار يجدون أنفسهم مضطرين إلى تقليص أعمالهم أو إغلاق محلاتهم، فيما يلجأ آخرون إلى استيراد منتجات منخفضة الجودة لتغطية خسائرهم، وهو ما يقلل من قيمة الإنتاج المحلي ويضعف القدرة التنافسية. هذه الدائرة المفرغة تخلق تأثيرًا اجتماعيًا واضحًا، إذ يؤدي ضعف السوق إلى زيادة معدلات البطالة، ويجبر الشباب على التفكير في الهجرة، تاركين وراءهم المشاريع الصغيرة التي كانت تمثل طموحهم ومستقبلهم الاقتصادي.

السوق العراقي، من منظور فكري، ليس مجرد مساحة اقتصادية، بل مؤشر على المشاكل البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني. الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل دون تنويع مصادر الإيرادات جعل الاقتصاد هشًا أمام أي أزمة. ضعف البنية التحتية المالية وتأخر دفع الرواتب الحكومية يعقد عمل التجار ويزيد من ضغوطهم اليومية. غياب السياسات الداعمة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة يجعل الطموح الفردي مجرد محاولة صمود، بينما تتزايد التحديات دون حلول استراتيجية ملموسة. هذا الواقع الاقتصادي يترك أثره النفسي والاجتماعي على المجتمع، حيث يعيش الشباب شعورًا دائمًا بفقدان الأمل، ويصبح الطموح حبيس الحاجز الاقتصادي والاجتماعي، بينما يسود اليأس كخلفية لا يمكن تجاهلها.

ومع ذلك، فإن هناك بصيص أمل في هذا المشهد المعقد. بعض المبادرات لدعم المشاريع الصغيرة بدأت تظهر، بينما يحاول الشباب الابتكار في مجالات التجارة الرقمية والتسويق عبر المنصات الحديثة، مستفيدين من الأدوات التكنولوجية لتعويض نقص الدعم الرسمي. المجتمع العراقي لا يزال يمتلك القدرة على التكيف مع هذه الأزمات، إذ تظهر روح التعاون بين التجار والمستهلكين، وتبرز أهمية التمسك بالإبداع والعمل الدؤوب كوسيلة للحفاظ على الاقتصاد المحلي وتحقيق بعض الاستقرار في حياة الناس.

يمكن القول إن السوق العراقي بين الطموح واليأس يعكس حقيقة أكبر من الاقتصاد وحده؛ إنه صورة حية لإرادة الإنسان العراقي وقدرته على الصمود في مواجهة الأزمات. الطموح موجود في كل محاولة للابتكار والعمل، واليأس يتسلل في كل عائق وصعوبة، لكن التفكير الاستراتيجي وتبني سياسات تدعم الإنتاج المحلي وتوسع الفرص يمكن أن يحوّل هذا التوازن الهش إلى منصة للنمو والاستقرار الاجتماعي. إن فهم هذا الواقع يتطلب مزيجًا من التحليل الاقتصادي والاجتماعي، وإدراكًا أن الحياة الاقتصادية للمجتمع مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالظروف السياسية والاجتماعية، وأن أي محاولة للتطوير أو الإصلاح يجب أن تراعي هذه التحديات المتشابكة.

السوق العراقي ليس مجرد مكان لشراء وبيع السلع، بل هو فضاء يعكس قصص الإنسان وصموده وتطلعاته، ويقدم نموذجًا حيًا لكيفية تعامل البشر مع الصعاب، وكيف يمكن للطموح أن يواجه اليأس دون أن يفقد الأمل في مستقبل أفضل. في هذا السوق، تظهر حقيقة أن الاقتصاد لا يمكن فصله عن الإنسان، وأن كل تحول في الأسعار، أو انخفاض في القدرة الشرائية، أو ضعف في الإنتاج، هو انعكاس مباشر لحياة الناس اليومية وآمالهم وآلامهم، وهو مؤشر على أن الطريق إلى الاستقرار يتطلب أكثر من مجرد سياسات مالية؛ يتطلب رؤية شاملة للتنمية البشرية والاجتماعية.

 

 

 

 


مشاهدات 40
الكاتب هدى زوين
أضيف 2026/02/14 - 4:46 PM
آخر تحديث 2026/02/15 - 4:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 160 الشهر 11168 الكلي 13942812
الوقت الآن
الأحد 2026/2/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير