خبير لـ (الزمان): الجريمة لا تسقط بالتقادم وضرورة تحويل الموقع إلى متحف
العراقيون يستذكرون قصف ملجأ العامرية ويدعون لإنصاف ذوي الضحايا
بغداد - قصي منذر
استذكر العراقيون، الذكرى السنوية الخامسة والثلاثين لقصف ملجأ العامرية في بغداد، الذي نفذته طائرات أمريكية إبان حرب الخليج الثانية، وخلف أكثر من 400 شهيد من المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، في واحدة من أكثر الحوادث إيلاماً في الذاكرة الوطنية. وتحوّل موقع الملجأ إلى شاهدٍ صامت على فاجعةٍ إنسانية ما زالت تفاصيلها حاضرة في وجدان العراقيين، فيما تتجدد كل عام دعوات إنصاف الضحايا وعدم طيّ الملف تحت وطأة الزمن. وأكد ذوو الضحايا خلال مناسبة الاستذكار أمس إن (فاجعة ملجأ العامرية ليست ذكرى عابرة نحييها سنوياً، وانما جرح مفتوح يذكّر العالم بضرورة محاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين الأبرياء).
وأشاروا إلى إن (الضحايا كانوا يحتمون بملجأ مدني، ما يجعل الحادثة موضع مساءلة قانونية وأخلاقية مستمرة)، مؤكدين ان (المأساة لم تنتهِ بخروجنا من تحت الركام، بل بدأت رحلة أخرى مع المرض، إذ أصيبت العوائل واحد تلو الآخرى بأمراض سرطانية، وتوفوا تباعاً خلال السنوات التي أعقبت الجريمة)، وشددوا على القول إن (بعض العوائل فقدت جميع أفرادها تقريباً، بعدما ظهرت أعراض المرض على الناجين، وسط معاناة طويلة مع العلاج والآلام الجسدية والنفسية)، وأضافوا إن (بناتٍ فقدن أمهاتهن وإخوتهن، لا يزلن يخضعن حتى الان إلى جلسات العلاج الإشعاعي والكيمياوي، بانتظار مصيرٍ مجهول، بعد إن قلبت آثار القصف حياتهن إلى معاناة مستمرة).
وأوضح ذوو الشهداء إن (تكرار حالات الإصابة بالسرطان بين الناجين وأفراد العائلة الواحدة، أثار مخاوف وتساؤلات بشأن طبيعة الأسلحة المستخدمة آنذاك، وما إذا كانت تحتوي على مواد محرمة دولياً)، لافتين إلى إن (المأساة تحولت إلى كارثة صحية ممتدة، حرمت عوائل من حقها في حياة طبيعية، وتركت آثاراً لا تزال حاضرة حتى الان).
وأشاروا إلى إن (هذه الشهادات تعزز المطالبات بفتح تحقيق قانوني وصحي شامل، لتوثيق الآثار طويلة الأمد التي لحقت بالمدنيين العزل). من جانبه، شدد القانوني عمر العزاوي، على ضرورة تحرك الدولة بشكل رسمي ومنظم لإعادة فتح الملف أمام الجهات الدولية المختصة. وقال العزاوي لـ (الزمان) أمس إن (الجرائم التي تطال المدنيين لا تسقط بالتقادم وفقاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني)، داعياً إلى (التعامل مع القضية باعتبارها حقاً وطنياً ثابتاً)، مشدداً على (الحكومة تشكيل فريق وطني قانوني متخصص، يضم خبراء في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية، لتوثيق الأدلة وتحريك دعوى مطالبة رسمية بالتعويض)، مضيفاً إن (التحرك القانوني لا يرتبط بالظرف السياسي، وانما يستند إلى حق الضحايا وذويهم في الإنصاف وجبر الضرر).
ولفت إلى إن (تجارب دول أخرى أثبتت إمكانية ملاحقة مثل هذه القضايا بعد سنوات طويلة من وقوعها، متى ما توفرت الإرادة والملف القانوني المتكامل).
مؤكداً (ضرورة تضمين فاجعة قصف ملجأ العامرية في المناهج التعليمية والفعاليات الوطنية بوصفها محطة مؤلمة في تاريخ البلاد الحديث)، وأوضح العزاوي إن (استذكار الضحايا يجب إن يقترن بخطوات عملية تحفظ كرامتهم وتعيد الاعتبار لعائلاتهم).
ورأى إن (إعادة طرح الملف قانونياً من شأنه إن يعزز مبدأ عدم الإفلات من المساءلة في الجرائم التي تستهدف المدنيين).
مطالباً الحكومة بـ (اتخاذ قرارٍ يقضي بتحويل ملجأ العامرية إلى متحف وطني يخلّد ذكرى الشهداء ويحفظ قدسية المكان، وإنهاء إشغال المبنى من قبل إحدى الدوائر واستخدامه كموقع لمراجعة المواطنين، لما يمثله ذلك من مساسٍ برمزية الموقع وحرمة الدماء التي سفكت فيه، إذ لا يليق بموقعٍ احتضن مأساة إنسانية بهذا الحجم إن يختزل بوظيفةٍ إدارية، وانما يجب إن يبقى شاهداً حياً على الجريمة ومعلماً لاستذكار الضحايا وتكريس الوعي الإنساني للأجيال). لا تزال صور الجدران المتفحمة داخل الملجأ شاهداً على حجم المأساة التي عاشتها بغداد في تلك الليلة مع مرور خمسة وثلاثين عاماً على الفاجعة.