بغداد – الزمان
تفيد جولة الكاتب والإعلامي العراقي، عبد الجبار العتابي في شوارع بغداد القديمة، ولا سيما شارع السعدون والباب الشرقي، بأن دور السينما التي شكّلت جزءاً من الذاكرة الثقافية للمدينة تحولت اليوم إلى أطلال صامتة، أو اندمجت قسراً في مشهد تجاري لا يمت بصلة إلى تاريخها، في وقت تغيب فيه أي مؤشرات رسمية على محاولات إنقاذ أو توثيق.
وقال الكاتب، من وحي جولاته بين معالم بغداد، إنه مرّ بدار سينما بابل محيّياً المكان كما يُحيّى الأثر، قبل أن يستعيد حواراً متخيلاً بين دور السينما نفسها، في تعبير رمزي عن وحدة المصير، مشيراً إلى أن سينما الخيام لم تكن أفضل حالاً، إذ لم يبقَ منها سوى الذكرى، مستحضراً أبياتاً شعرية تعكس طول الهجر ووطأة الزمن. وتحدث الكاتب عن انتقاله للبحث الميداني عن داري سينما الرصافي وشهرزاد في منطقة الباب الشرقي، خلف مرآب الأمة الحالي، موضحاً أن الموقع كان يضم في الأصل سينما ميامي وسينما الحمراء، قبل أن يتغير وجه المكان بالكامل، ضمن تحولات عمرانية وتجارية متسارعة شهدتها المنطقة على مدى عقود. وأشار العتابي إلى أن دخوله الشارع الصغير المؤدي إلى الموقع لم يكشف عن أي ملامح سينمائية مألوفة، إذ غابت رائحة الأفلام وطقوس العروض، وحلّت محلها أسواق الملابس المستعملة، حيث تنتشر “البالات” على الأرصفة وواجهات المحال، مكوّمة ومعلّقة، في مشهد يحجب ما تبقى من ذاكرة المكان. وأوضح العتابي أنه لم يعثر في البداية سوى على اسم “سينما المشرق” ظاهراً من فتحة ضيقة بين مظلات القماش، مثبتاً أعلى بناية قديمة يعرف أنها تعود لسينما الرصافي، دون معلومات واضحة عن زمن تغيير الاسم أو أسبابه، فيما بدت البناية متعبة، بألوان باهتة وجدران توحي بالإهمال والفراغ. وأضاف العتابي أن مرورَه بمرآب الأمة، الذي صادف خلوّه المؤقت، أتاح له رؤية أوضح لبنايتي سينما الرصافي وشهرزاد، حيث استطاع الاقتراب من السياج الفاصل وتوثيق المشهد بالتصوير، كاشفاً عن حجم التراجع الذي أصاب المعلمين الثقافيين. وبيّن أن المعلومات المتوفرة عن سينما الرصافي محدودة، لكنها تشير إلى أنها أُسست على يد حبيب الملاك لصالح شقيقه غسان الملاك، قبل أن تتعرض لحريق كامل عام 1960، ثم أُعيد ترميمها واحترقت مرة أخرى بعد سنوات، لتنتهي في نهاية المطاف جزءاً من سوق البالات، وفق ما هو متداول في الروايات الشفوية. ولفت العتابي إلى أن حال سينما شهرزاد لا يقل قسوة، إذ تبدو البناية وكأنها تنسحب بصمت من مواجهة الزمن، مع تآكل الحروف والعناصر المعمارية، في صورة تختصر مصير دور السينما في بغداد، التي غابت عن الاهتمام المؤسسي وبقيت حاضرة فقط في ذاكرة الأفراد وتدويناتهم. وتخلص الجولة الاستطلاعية، إلى أن ما تشهده بغداد ليس مجرد اختفاء لدور عرض سينمائي، بل تآكل لذاكرة حضرية وثقافية كاملة، تُمحى تدريجياً وسط غياب التوثيق والحماية، في وقت تتحول فيه منشورات وسائل التواصل الاجتماعي إلى الشاهد الأخير على تاريخ ثقافي آخذ بالاندثار.