يوم كان الشعر وحده سيد المنابر
عبد المنعم حمندي
لم تكن المهرجانات الشعرية العربية -في زمنها الجميل والأصيل- مجرد محافل بروتوكولية تعبرها الأسماء عابرةً، ولا مسارح باردة لإدارة العلاقات العامة والمجاملات العابرة، بل كانت ولا زالت -في جوهرها المفترض- محراباً للجمال وملاذاً للكلمة التي تعيد للإنسان روحه. غير أن المشهد الثقافي المعاصر بات يشهد انزياحاً مؤلماً عن تلك البوصلة، إذ تراجعت معايير الإبداع الخالص لصالح شبكات الإخوانيات، والمصالح المشتركة، وتدوير الأسماء وفق أهواء «أولياء المنابر».وأصحاب النفوذ
لكن ذاكرة الثقافة الحية لا تنسى، تجارب السابقين الذين تعاقببوا على لجان دعوات مهرجانات الشعر، الأوفياء للقصيدة ، تبقى منارات تضيء عتمة هذا التراجع في الراهن الثقافي.
حين نتأمل الرؤية الإبداعية النقية التي أدارت مفاصل كبرى في المحافل الثقافية - كتلك التجربة الخالدة في الهيأة العليا لمهرجان المربد في السبعينيات ومهرجان أبي تمام من القرن الماضي،حين كان يقوده أهل الوفاء والإخلاص للأدب - يتجلى الفرق ساطعاً بين رؤيتين:
رؤية الراهن الفاسد، التي تنظر إلى الشاعر من طاقة نفوذه ومنصبه،وجيبه أو قربه أو رضى فلان عنه، ورؤية أصيلة وموضوعية لا تري في الشاعر إلا كونه «صانع جمال»
كانت مهرجانات نوعية تضم كوكبة من المبدعين العرب
لقد كانت تلك المرحلة العريقة تؤسس لقاعدة ذهبية لا تعرف المساومة: أن الإبداع وإنجاز الشاعر هما المعيار الأوحد الذي لا يعلوه أي معيار أغلى من الشعر الرفيع، لم تكن الهيئات المسؤولة في الزمن العربي المنصرم، تلتفت للخلافات الشخصية الضيقة، ولا للحسابات السياسية العابرة، ولا للخطوط الوهمية التي ترسمها العصبيات. كان الشاعر الحقيقي يُدعى لأنه يحمل في دمه جذوة القصيدة، بغض النظر عن لونه السياسي أو موقفه أو اختلافه مع هذا الطرف أو ذاك. كانت المنصة في ذلك الزمن العابر للمحاصصات بيتاً لكل من يحسن صياغة الدهشة، وكانت المؤسسة الثقافية درعاً يحمي الشاعر لا سوطاً يلوح فوق رأسه.
إن استدعاء تلك الروح اليوم ليس مجرد حنين عاطفي لزمن ولى، بل هو صرخة إيقاظ وضرورة ملحة لإنقاذ ما تبقى من هيبة المنبر العربي. فحين يغيب الاحتفاء بالمنجز الشعري الأصيل، وتتحول المهرجانات إلى نوادٍ مغلقة للمجاماملات والإقصاء، يفقد الشعر صوته العالي ويخفت نبض الحياة في شرايين الثقافة.
إننا بحاجة ملحة اليوم إلى استعادة تلك الأمانة الإبداعية، أن نُرجع للمنبر طهره، وأن نعلم أن الشعر -حين يُحتفى به بحرية وصدق- يظل دائماً أطول عمراً من كل العابثين به، وأبقى من كل الحسابات الضيقة التي تحاول عبثاً أن تحاصره.