القلق المستمر
جهاد كاظم العكيلي
عندما كان المجتمع الأميركي في بداية القرن الماضي منشغلاً بتحولات كبيرة أعادت تشكيل الدولة والمجتمع، ووضعت الحكومة الأميركية القواعد والأسس التي أسهمت لاحقاً في النهوض الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، كان المواطن الأميركي يعيش، في تلك المرحلة، حالة من التوتر والقلق والصعوبات في تدبير شؤون حياته اليومية.
وفي خضم تلك التحولات، اندفع عدد من الباحثين والكتاب إلى قراءة الواقع ومحاولة تقديم الإرشادات التي تساعد الإنسان على مواجهة ضغوط الحياة. ومن بين هؤلاء الكاتب الأميركي ديل كارنيجي، الذي اشتهر بكتابه دع القلق وابدأ الحياة، وعنوانه بالإنجليزية How to Stop Worrying and Start Living. وقد القلق المستمر...!
عندما كان المجتمع الأميركي في بداية القرن الماضي منشغلاً بتحولات كبيرة أعادت تشكيل الدولة والمجتمع، ووضعت الحكومة الأميركية القواعد والأسس التي أسهمت لاحقاً في النهوض الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، كان المواطن الأميركي يعيش، في تلك المرحلة، حالة من التوتر والقلق والصعوبات في تدبير شؤون حياته اليومية.
وفي خضم تلك التحولات، اندفع عدد من الباحثين والكتاب إلى قراءة الواقع ومحاولة تقديم الإرشادات التي تساعد الإنسان على مواجهة ضغوط الحياة. ومن بين هؤلاء الكاتب الأميركي ديل كارنيجي، الذي اشتهر بكتابه دع القلق وابدأ الحياة، وعنوانه بالإنجليزية How to Stop Worrying and Start Living. وقد قدّم في كتابه مجموعة من الأفكار والنصائح التي تساعد الإنسان على التعامل مع القلق والتوتر، والبحث عن قدر أكبر من الطمأنينة والقدرة على مواصلة الحياة.
لكن ماذا لو انتقلنا من تجربة الفرد إلى تجربة المجتمع والدولة؟
إن الحالة العراقية اليوم تبدو، في كثير من جوانبها، وكأنها مصابة بداء القلق المستمر؛ حتى أصبح القلق جزءاً من الحياة اليومية للمواطن العراقي، يحمل همومه معه في أبسط تفاصيل حياته، ويجد نفسه في مواجهة أسئلة لا تنتهي حول الأسرة، والعمل، والمستقبل، والعلاقات الاجتماعية، وحتى في تعامله مع مؤسسات الدولة العامة والخاصة.
فالقلق لم يعد حالة عابرة أو ظرفاً مؤقتاً، بل تحول إلى حالة نفسية واجتماعية تنعكس على سلوك الفرد وتصرفاته، نتيجة خلل أصاب النظام العام للدولة والمجتمع، وتراكم ممارسات سياسية وإدارية لم تدرك، أو لم تربد
أن تدرك، خطورة الانحرافات التي أثقلت كاهل المواطن وأضعفت مؤسسات الدولة.
ويأتي الفساد الإداري والمالي في مقدمة العوامل التي أسهمت في تشتيت وعي المواطن، وزرع الإحباط في داخله، ودفعه إلى فقدان الثقة بالمستقبل. فحين يشعر الإنسان أن أبسط حقوقه تحتاج إلى جهد استثنائي، وأن فرصه لا تتحدد دائماً بالكفاءة والعمل، يصبح المستقبل بالنسبة إليه مساحة غامضة تثير الخوف أكثر مما تبعث على الأمل.
ومن هنا يمكن أن نشير إلى ظواهر اجتماعية عديدة قد تكون، بدرجات مختلفة، انعكاساً لحالة عدم الاستقرار والضغط النفسي والاجتماعي، ومنها ارتفاع حالات الطلاق، وعزوف بعض الشباب عن الزواج، وتنامي مشكلات المخدرات، وظهور سلوكيات عنيفة وردود أفعال غير متوقعة عندما يتعرض الفرد لضغط شديد، فضلاً عن ظاهرة الانتحار التي تمثل جرس إنذار خطيراً يستدعي دراسة أسبابها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية بجدية ومسؤولية.
غير أن المفارقة لا تكمن في أن المواطن وحده يعيش حالة القلق.
فالقلق يبدو أنه أصاب النظام السياسي أيضاً.
فطيلة عقدين من الزمن، ظلت العملية السياسية في العراق تعاني من حالة من القلق السياسي المستمر، يظهر ذلك في طريقة تشكيل الحكومات، واختيار عناصرها، وتحديد أولوياتها، ووضع برامجها، ثم في القدرة على تنفيذ تلك البرامج ــ إن وُجدت ــ وتحويلها من شعارات إلى سياسات وواقع ملموس.
وغالباً ما نجد إخفاقات متكررة في أداء المهام المطلوبة، ولا سيما في توفير المحيط الآمن والمستقر للمواطن، وضمان أمنه وحياته العامة، وبناء مؤسسات قادرة على التعامل مع مشكلاته بعيداً عن الارتجال والمحاصصة والمصالح الضيقة.
وهنا يبرز السؤال:
ما الحل أمام هذا القلق الذي لم يعد يسكن الفرد وحده، بل امتد إلى السياسة والدولة والمجتمع؟
هل نطلب من المواطن أن يقرأ كتاب ديل كارنيجي: دع القلق وابدأ الحياة؟
أم أننا بحاجة إلى كتاب آخر، ليس من أجل إرشاد المواطن وحده، وإنما لإرشاد السياسي أيضاً؛ كتاب يعلّم صانع القرار أن الدولة لا تُدار بالقلق، وأن المجتمع لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد في انتظار المجهول؟
ربما لا يحتاج العراق إلى كتاب جديد بقدر حاجته إلى دولة تطمئن مواطنيها.
فالمواطن لا يريد نصائح كثيرة عن كيفية التخلص من القلق، إذا كانت أسباب القلق ما تزال قائمة حوله.
إن إزالة القلق لا تبدأ دائماً من داخل الإنسان؛ أحياناً تبدأ من إصلاح البيئة التي صنعت هذا القلق.
وعندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، والمؤسسة تخدمه، والفرصة متاحة أمامه، والمستقبل ليس مجهولاً، عندها فقط يمكن أن نطلب منه أن يترك القلق ويبدأ الحياة.
فهل يحتاج العراق إلى كتاب يقول له: دع القلق وابدأ الحياة؟
أم يحتاج أولاً إلى دولة تجعل المواطن قادراً فعلاً على أن يفعل ذلك؟ فالكاتب قدّم في كتابه مجموعة من الأفكار والنصائح التي تساعد الإنسان على التعامل مع القلق والتوتر، والبحث عن قدر أكبر من الطمأنينة والقدرة على مواصلة الحياة.
إن الحالة العراقية اليوم تبدو، في كثير من جوانبها، وكأنها مصابة بداء القلق المستمر؛ حتى أصبح القلق جزءاً من الحياة اليومية للمواطن العراقي، يحمل همومه معه في أبسط تفاصيل حياته، ويجد نفسه في مواجهة أسئلة لا تنتهي حول الأسرة، والعمل، والمستقبل، والعلاقات الاجتماعية، وحتى في تعامله مع مؤسسات الدولة العامة والخاصة.
فالقلق لم يعد حالة عابرة أو ظرفاً مؤقتاً، بل تحول إلى حالة نفسية واجتماعية تنعكس على سلوك الفرد وتصرفاته، نتيجة خلل أصاب النظام العام للدولة والمجتمع، وتراكم ممارسات سياسية وإدارية لم تدرك، أو لم ترد أن تدرك، خطورة الانحرافات التي أثقلت كاهل المواطن وأضعفت مؤسسات الدولة.
ويأتي الفساد الإداري والمالي في مقدمة العوامل التي أسهمت في تشتيت وعي المواطن، وزرع الإحباط في داخله، ودفعه إلى فقدان الثقة بالمستقبل. فحين يشعر الإنسان أن أبسط حقوقه تحتاج إلى جهد استثنائي، وأن فرصه لا تتحدد دائماً بالكفاءة والعمل، يصبح المستقبل بالنسبة إليه مساحة غامضة تثير الخوف أكثر مما تبعث على الأمل.
ومن هنا يمكن أن نشير إلى ظواهر اجتماعية عديدة قد تكون، بدرجات مختلفة، انعكاساً لحالة عدم الاستقرار والضغط النفسي والاجتماعي، ومنها ارتفاع حالات الطلاق، وعزوف بعض الشباب عن الزواج، وتنامي مشكلات المخدرات، وظهور سلوكيات عنيفة وردود أفعال غير متوقعة عندما يتعرض الفرد لضغط شديد، فضلاً عن ظاهرة الانتحار التي تمثل جرس إنذار خطيراً يستدعي دراسة أسبابها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية بجدية ومسؤولية.
غير أن المفارقة لا تكمن في أن المواطن وحده يعيش حالة القلق.
فالقلق يبدو أنه أصاب النظام السياسي أيضاً.
فطيلة عقدين من الزمن، ظلت العملية السياسية في العراق تعاني من حالة من القلق السياسي المستمر، يظهر ذلك في طريقة تشكيل الحكومات، واختيار عناصرها، وتحديد أولوياتها، ووضع برامجها، ثم في القدرة على تنفيذ تلك البرامج ــ إن وُجدت ــ وتحويلها من شعارات إلى سياسات وواقع ملموس.
وغالباً ما نجد إخفاقات متكررة في أداء المهام المطلوبة، ولا سيما في توفير المحيط الآمن والمستقر للمواطن، وضمان أمنه وحياته العامة، وبناء مؤسسات قادرة على التعامل مع مشكلاته بعيداً عن الارتجال والمحاصصة والمصالح الضيقة.
وهنا يبرز السؤال:
ما الحل أمام هذا القلق الذي لم يعد يسكن الفرد وحده، بل امتد إلى السياسة والدولة والمجتمع؟
هل نطلب من المواطن أن يقرأ كتاب ديل كارنيجي: دع القلق وابدأ الحياة؟
أم أننا بحاجة إلى كتاب آخر، ليس من أجل إرشاد المواطن وحده، وإنما لإرشاد السياسي أيضاً؛ كتاب يعلّم صانع القرار أن الدولة لا تُدار بالقلق، وأن المجتمع لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد في انتظار المجهول؟
ربما لا يحتاج العراق إلى كتاب جديد بقدر حاجته إلى دولة تطمئن مواطنيها.
فالمواطن لا يريد نصائح كثيرة عن كيفية التخلص من القلق، إذا كانت أسباب القلق ما تزال قائمة حوله.
إن إزالة القلق لا تبدأ دائماً من داخل الإنسان؛ أحياناً تبدأ من إصلاح البيئة التي صنعت هذا القلق.
وعندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، والمؤسسة تخدمه، والفرصة متاحة أمامه، والمستقبل ليس مجهولاً، عندها فقط يمكن أن نطلب منه أن يترك القلق ويبدأ الحياة.
أما أن نطلب منه أن يتوقف عن القلق، بينما أسباب القلق تحاصره من كل جانب، فذلك يشبه أن نطلب من المريض أن ينسى مرضه، من دون أن نعالجه.
فهل يحتاج العراق إلى كتاب يقول له: دع القلق وابدأ الحياة؟
أم يحتاج أولاً إلى دولة تجعل المواطن قادراً فعلاً على أن يفعل ذلك؟