الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق بين القلق المزمن واستعادة الدولة

بواسطة azzaman

العراق بين القلق المزمن واستعادة الدولة

إيهاب عنان

 

ليس من الحكمة أن تقاس الأمم بما يعلو في سمائها من ضجيج، بل بما يبقى في أرضها من قدرة على التماسك حين تشتدّ العواصف .

والعراق، بما يحمله من ذاكرة الدولة العريقة ومن أثقال التجربة الحديثة، لا يحتاج اليوم الى المزيد من الشعارات، بل الى معنى أشدّ صلابة: أن تتحول السلطة الى أداة إصلاح ، وأن تصبح هيبة القانون مرجعاً لا ينازعه أحد، وأن يغدو الاستقرار ثمرةً لعمل مؤسسي لا نتيجة هدنة عابرة بين الخصوم .

في هذا السياق، لا تبدو الإشاعة التي أُطلِقَت بأن : "رئيس الوزراء العراقي هدد بالاستقالة لعدم التجاوب معه بشأن ملفات كثيرة"، ثم نُفيت، مجرد خبر عام ، بل تصلح لأن تكون شرارة تكشف قابلية المشهد العراقي المتوارث للاهتزاز كلّما غابت الطمأنينة أو ضعفت الثقة أو اتسعت الفجوة بين ماتريده الدولة وما تسمح به البيئة المحيطة .

غير أن القراءة الرصينة لا تقف عند حدود الإشاعة ذاتها ، بل تتجاوز الى ماهو أعمق: كيف يمكن لحكومةٍ أن تحمي مشروعها من القلق المزمن وأن تُثبت أن الدولة ليست صفحة مهددة في كل لحظة، بل بناءٌ يزداد صلابة كلما اشتدّ عليه الامتحان؟.

لقد جاء نفي رئيس الوزراء ليغلق باب التأويل، لكن الأهم من النفي هو ما يشي به من ضرورة التقاط الدرس قبل أن يتكرر المشهد ، فالحكومة الرصينة لا تنتظر الأزمة حتى تتضخم بل تعمل على تفكيك مقدماتها . وهنا يبرز الفرق بين السلطة التي تدار بردّ الفعل والسلطة التي تصنع الإيقاع العام وتبادر الى ضبطه وهذا ما يلوح في أُفق الحكومة الحالية. فما يحتاجه العراق اليوم هو هذا النوع حقاً من الحكم : حكمٌ يقرأ الإشارات الصغيرة لأنها قد تتسع ، ويصون المعنى قبل أن يتآكل، ويُحسن استخدام اللحظة لا لتسكينها، بل لتحويلها الى فرصة لتثبيت الدولة .

ومن الإنصاف أن يُقال إن هذه الحكومة "الفتيّة" قدّمت في ملف النزاهة ما يستحق الوقوف عنده . فأن تمتد يد القانون الى أسماءٍ ذات وزن سياسي أو وظيفي، وأن يُلقى القبض على بعض الفاسدين من دون اعتبارٍ لمكانتهم أو امتيازاتهم، فذلك ليس تفصيلاً إجرائياً، بل إعلانٌ ضمني بأن زمن الحصانات غير المعلنة قد بدأ يتراجع، وأن الدولة حين تريد أن تستعيد هيبتها لا تسأل عن رتبة المتهم، بل عن حقيقة الجرم. وفي هذه النقطة تحديداً تظهر قيمة القضاء العراقي بوصفه ضمانةً وطنية لا مجرد مؤسسة قضائية، قضاء قويّ حين يكون ميزانه واحد، وحكيمٌ حين يجمع بين الحزم والوقار، وبين الإنفاذ والاتزان.

إن التاريخ السياسي يعلمنا أن الدولة لا تنهار دفعة واحدة، بل تُستنزف بالتدرج حين تتكاثر الاستثناءات حتى تُصبح قاعدة، وحين يغدو النفوذ بديلاً عن الحق، وحين يتراجع القانون أمام الاعتبارات المتداخلة . ولذلك فإن أعظم ما يمكن تحققه حكومة في ظروف معقدة ليس أن تبدو منتصرة في الإعلام ، بل أن تُعيد ترتيب العلاقة بين الدولة ومؤسساتها، وبين المواطن والعدالة، وبين السلطة والمعيار. وفي هذا المعنى، فأن ما يُرجى من الحكومة العراقية ليس مجرد الاستمرار، بل الاستمرار المفضي التي تحولٍ حقيقي: من إدارة الأزمات الى منعها، ومن الخطاب الى التنفيذ ومن ردود الأفعال الى صناعة القرار.

ولعل الابتكار الحقيقي في السياسة يكمن في إعادة تعريف الممكن وليس في إطلاق الوعود. فبدل أن يبقى الحديث عن الإصلاح حبيس المناسبات، ينبغي تحويله الى هندسة يومية للعمل العام: تدقيقٌ صارم في المال العام، ترشيد في القرار، تعزيز للإستقلال القضائي، حماية للمؤسسات من الابتزاز وفتح لمسارات واضحة أمام الكفاءات لا أمام الولاءات وتكرار الوجوه بمواقع مختلفة. هكذا فقط تُبنى دولة ثابتة، ولا تتراجع عند أول ضغط ولا تنشغل عن مشروعها بجدل يستهلكها ، فالشعب العراقي وضع أمله بكم سيادة الرئيس وفي قوة القضاء.

العراق اليوم أحوج ما يكون الى لغةٍ سياسية تعرف الفرق بين الحزم والتهور وبين الشجاعة والاستعراض وبين الإصلاح الحقيقي والزينة اللفظية . وهو قادر ، إذا أحسن قراءة لحظته، على أن يحوّل هذا القلق العابر الى بداية نضجٍ سياسي جديد، يثبت فيه أن الحكومة لا تُقاس ببعد ما يثار حولها، بل بما تصنعه من أثرٍ باقٍ في الدولة والمجتمع. هكذا يمكن القول إن العراق لم يعد ينجو من أزماته، بل بدأ أخيراً يربحها.

 

 

كاتب ، شاعر واعلامي عراقي

 


مشاهدات 24
الكاتب إيهاب عنان
أضيف 2026/08/01 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/08/02 - 4:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 233 الشهر 1437 الكلي 16001142
الوقت الآن
الأحد 2026/8/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير