ملف العراق التفاوضي مع أوبك بلس
أكرم سالم
يمضي العراق نحو مطالبة منظمة (أوبك بلس) برفع خط الأساس لإنتاجه النفطي اعتباراً من عام 2027، من نحو 4.650 مليون برميل يومياً إلى 6 ملايين برميل يومياً، استناداً إلى تقييمات ودراسات أعدتها شركات استشارية دولية متخصصة. ومن حيث المبدأ، تبدو المطالبة العراقية مفهومة ومشروعة، في ضوء مكانة العراق بين كبار منتجي النفط، وحجم احتياطياته النفطية المؤكدة، فضلاً عن قدراته الإنتاجية وإمكانات تطوير حقوله.
غير أن القضية لا ينبغي أن تتوقف عند حجم الرقم المطلوب، بل تستحق التوقف عند سؤال أكثر عمقاً: لماذا تظل الدراسات والاستشارات النفطية الاستراتيجية الكبرى حكراً، في الغالب، على الشركات الأجنبية، بينما يمتلك العراق مؤسسات ومكاتب وخبرات وطنية راكمت عبر عقودً ارثا كبيرا ومهما من المعرفة الفنية والاقتصادية في الصناعة النفطية والانتاج والتسويق البترولي ؟ ولا يتعلق الأمر برفض الاستعانة بالخبرة الأجنبية كما يبدو للوهلة الاولى ابدا، فالشركات الاستشارية العالمية تمتلك أدوات ونماذج وقواعد بيانات وخبرات معرفية وفنية دولية يمكن بكل تاكيد أن تضيف قيمة حقيقية إلى المفاوض العراقي. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الاستعانة بالخبير الأجنبي من خيار تكميلي إلى قاعدة دائمة لصيقة بصانع القرار على اعلى المستويات ، ويغيب عن إعداد الدراسات أو مراجعتها الخبراء العراقيون الذين يعرفون تفاصيل الحقول والبنية التحتية وتاريخ الإنتاج والقيود الفنية والتعاقدية بصورة يصعب على أي جهة خارجية أن تضاهيها.
إن إعداد ملف العراق التفاوضي مع «أوبك بلس» ليس مجرد تمرين حسابي في الإنتاج والاحتياطيات، بل هو ملف يرتبط بمصلحة اقتصادية وسيادية طويلة الأمد.
ولذلك فإن إشراك المكاتب الوطنية المتخصصة لا ينبغي أن يكون إجراءً شكلياً او خيارا عابرا وهامشيا، وإنما جزءاً أصيلاً من صناعة القرار.
والسؤال المشروع هنا: هل لدى الجهات العراقية آلية مؤسسية واضحة تتيح للمكاتب والخبرات الوطنية امكانية المنافسة على هذه الدراسات الحيوية وفق معايير مهنية وشفافة؟ وإذا كانت الخبرة العراقية تحتاج إلى تطوير أو دعم، أليس من الأجدى بناء قدراتها من خلال العمل المشترك مع بيوت الخبرة العالمية، بدلاً من استيراد المعرفة جاهزة في كل مرة؟ اذ ان العراق لا يحتاج إلى الانغلاق عن الخبرة الدولية ولا يمكنه ذلك ابدا ، كما أنه لا يحتاج إلى الاستغناء عنها. ولكنه يحتاج إلى توازن يحفظ الاستفادة من الخبرة الأجنبية ويصون في الوقت نفسه مكانة الخبرة الوطنية.
فإذا كان العراق يطالب بحق أكبر في الإنتاج، فمن حق خبرائه وكفاءاته الوطنية أيضاً أن يكون لهم دور أكبر في صناعة الدراسات وتقديم الاستشارات الاقتصادية والفنية بشأن يعدّ العصب الحيوي في حياته الاقتصادية والحضارية والمعيشية التي تؤسس لهذا الحق والدفاع عنه. وهذه ليست مسألة عاطفية او فكرة هامشية ، بل قضية كفاءة وشفافية موضوعية واستدامة للمعرفة والخبرة النفطية العراقية التي يشار لها بالبنان .