حوارٌ مؤجَّل بين الوطن والمنفى
عصام البرام
قال الوطن:
لماذا جئتَ متأخّرًا
وفي يديكَ
ماءُ الذاكرة؟
كنتُ أعدُّ
خطواتِ أبنائي
على شقوقي
واحدًا… واحدًا،
ثم انطفأَ العدُّ.
قال المنفى:
لم آتِ،
أنا ظلُّكَ
حين كبرتِ الجراح،
غرفةٌ
تنسى مفاتيحَها،
وشباكٌ
يتعلّمُ
شكلَ الريح.
قال الوطن:
تركتَني
أرتّبُ اسمي
في فمِ الغبار،
وأرقّعُ صوتي
بأغاني العائدين
الذين لم يعودوا.
لماذا
كلّما ناديتُكَ
تأخّرَ الصدى؟
قال المنفى:
لأنّ المسافةَ
لا تقيسُ نفسها،
أنا المسافةُ
حين تمشي داخلَ القلب،
وحين تنامُ
أفرشُ لكَ
خريطةً
من الحنين.
قال الوطن:
كنتُ قمحًا
يشيخُ في الأيدي،
وبابًا
ينسى وجهَ الطارقين،
علّمتُ أبناءي
أن يحملوني
كجرحٍ كريم،
فلماذا
ثقلْتُ؟
قال المنفى:
لأنّك
كثرتَ في الذاكرة،
والأشياءُ
حين تتضاعف
تُنهِكُ الحنين،
أنا لم أسرقْ أبناءك،
أنا حفظتُهم
من الكسر.
قال الوطن:
أسمعُ خطاكَ
في دمي،
وأراكَ
تغسلُ أسماءهم
بماءِ الغياب،
لكنّ الليلَ
يطولُ
وأنا بلا نافذة.
قال المنفى:
افتح جرحكَ،
سيصيرُ شقًّا للضوء،
الفجرُ
لا يأتي
من السماء،
إنّهُ
يتدرّبُ في العتمة.
قال الوطن:
وهل يعودون؟
قال المنفى:
لا يعودون كما ذهبوا،
يعودون
أخفّ من الخوف،
أثقلَ من الذاكرة،
يحملونكَ
لا كأرضٍ
بل كنبض.
وسكتا…
حين مرّ الفجرُ
بينهما،
كان صامتًا
كحقيقةٍ
تتعلّمُ
أن تُقال.