الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الراتب تحدّده الوظيفة لا الشهادة

بواسطة azzaman

إصلاح الدولة العراقية: من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل (7)

الراتب تحدّده الوظيفة لا الشهادة

سامي العسكري

 

تحدثنا في الحلقة السابقة عن أن إصلاح الوظيفة العامة يبدأ من تحديد المؤسسة للأعمال التي تحتاج إلى إنجازها، ثم تحديد الوظائف اللازمة للقيام بها ومواصفات من يشغلها، على أن تتولى جهة مستقلة، مثل مجلس الخدمة الاتحادي، اختيار الأشخاص المناسبين وفق تلك المواصفات. وبذلك تكون الحاجة إلى العمل هي التي تخلق الوظيفة، وتكون الكفاءة هي الطريق إلى شغلها.

لكن هذه القاعدة ينبغي ألا تتوقف عند لحظة التعيين، بل يجب أن تستمر طوال المسار الوظيفي للموظف.

فلكل وظيفة عمل ومسؤوليات ومؤهلات محددة، ويجب أن يكون لها راتب يتناسب مع ذلك كله. ومن هنا تبرز قضية تحتاج إلى مراجعة في نظام الوظيفة العامة، وهي الأثر المالي للشهادات التي يحصل عليها الموظف أثناء خدمته.

فرص متاحة

الحصول على شهادة أعلى أثناء الخدمة قد يضيف إلى مؤهلات الموظف، لكنه لا يغير بذاته قيمة الوظيفة التي يشغلها، ولذلك لا ينبغي أن ينشئ له حقًا تلقائيًا في زيادة راتبها أو مخصصاتها.

فإذا عُيّن موظف في وظيفة حُدد لها مؤهل معين وراتب معين، ثم حصل بعد سنوات على شهادة أعلى، بينما ظل يؤدي العمل نفسه ويتحمل المسؤوليات نفسها، فما الذي تغير في الوظيفة حتى يتغير الراتب؟

المعالجة التي نقترحها واضحة :

 فك الارتباط بين الشهادة التي يحصل عليها الموظف أثناء الخدمة وبين راتبه ومخصصاته وعنوانه الوظيفي.

لكن ذلك لا يعني إهمال المؤهل الجديد أو حرمان الموظف من الاستفادة منه. فالشهادة التي حصل عليها ينبغي أن توسع الفرص المتاحة أمامه داخل الدولة. فإذا كانت هناك وظيفة شاغرة في وزارته أو في مؤسسة حكومية أخرى تشترط المؤهل الجديد، يكون من حقه التقدم إليها والمنافسة عليها مع غيره ممن تتوافر فيهم شروطها.

فإذا وقع عليه الاختيار، انتقل إلى الوظيفة الجديدة وحصل على راتبها ومخصصاتها وعنوانها، لا لأن الشهادة وحدها أنشأت له استحقاقًا ماليًا، وإنما لأنه أصبح يشغل وظيفة أخرى تتطلب هذا المؤهل، ولها راتبها ومخصصاتها المحددة.

وبعبارة أكثر اختصارًا:

الشهادة الجديدة تمنح الموظف حق المنافسة على وظيفة تتطلبها، ولا تمنحه حقًا تلقائيًا في زيادة راتب الوظيفة التي يشغلها.

هذه القاعدة لا تقلل من قيمة التعليم، ولا تدعو الموظف إلى التوقف عن تطوير نفسه. فالدولة تحتاج إلى موظفين يوسعون معارفهم ويرفعون قدراتهم، وينبغي أن يبقى تطوير الموظف لمعارفه ومؤهلاته أمرًا مشجعًا.

 لكن تطوير المعرفة شيء، وتحويل كل شهادة يحصل عليها الموظف إلى التزام مالي دائم على الدولة شيء آخر.

بل إن النظام المقترح يمنح المؤهل الجديد قيمة مهنية حقيقية. فبدلًا من أن تكون ثمرة الشهادة إضافة مالية إلى وظيفة لم تتغير، تصبح وسيلة تتيح لصاحبها الانتقال إلى عمل يحتاج فعلًا إلى المعرفة أو التخصص الذي اكتسبه.

ومن شأن هذا التغيير أن يحقق نتيجة أخرى تتجاوز نظام الرواتب. فعندما لا تكون الشهادة طريقًا تلقائيًا إلى زيادة الراتب أو المخصصات، يصبح قرار الالتحاق بالدراسات العليا أكثر ارتباطًا بالحاجة العلمية والمهنية وبالفرص التي تتطلب هذا المؤهل. وقد يسهم ذلك في تخفيف جانب من الضغط على مؤسسات التعليم العالي للتوسع في برامج لا تفرضها بالضرورة حاجة البحث العلمي أو سوق العمل.

استحقاقات مالية

كما يساعد ذلك الدولة على تحديد حاجتها الحقيقية إلى أصحاب المؤهلات العليا، فتستحدث الوظائف التي تحتاج إليها وفق متطلبات العمل، بدلًا من أن تتحول الشهادات إلى استحقاقات مالية منفصلة عن حاجة المؤسسة.

وهنا نعود إلى المبدأ الذي ينبغي أن يحكم بناء الوظيفة العامة:

الحاجة تخلق الوظيفة، والوظيفة تحدد المؤهل والراتب.

ويمكن أن يمتد المبدأ نفسه، بصورة أوسع، إلى الهيكل الإداري للدولة. فكما لا ينبغي أن نعيد تشكيل وظيفة لتناسب مؤهلًا جديدًا حصل عليه شاغلها، لا ينبغي أن نستحدث موقعًا إداريًا أو مديرية لمجرد إيجاد موقع أعلى لموظف. في الحالتين ينبغي أن تبدأ الدولة من حاجتها إلى العمل، ثم تبحث عمن تتوافر فيه شروط القيام به.

المبدأ الذي يقوم عليه هذا الإصلاح واضح: تحدد الدولة لكل وظيفة وصفها ومؤهلاتها وراتبها، ويلتحق بها من يقع عليه الاختيار وفق شروطها. وإذا حصل الموظف أثناء الخدمة على شهادة أعلى، اتسعت أمامه الوظائف التي يستطيع المنافسة عليها، من دون أن يتغير راتبه الحالي لمجرد حصوله على هذه الشهادة.

بهذه الطريقة نحافظ على حق الموظف في التطور والتقدم، ونفتح أمامه مسارًا مهنيًا حقيقيًا، وفي الوقت نفسه نعيد الراتب إلى أساسه الصحيح: ما العمل الذي يؤديه الموظف وما المسؤولية التي يتحملها، لا عدد الشهادات التي يحملها.

 

 كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة

 

 


مشاهدات 50
الكاتب سامي العسكري
أضيف 2026/09/15 - 3:55 PM
آخر تحديث 2026/09/16 - 12:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 52 الشهر 26211 الكلي 16558731
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير