الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإتيكيت في وطنٍ مهتوك

بواسطة azzaman

الإتيكيت في وطنٍ مهتوك

شوقي كريم حسن

 

في وطنٍ ما زالت فيه أزمة الماء الصالح للشرب سؤالاً يومياً، وفي وطنٍ يُحرم فيه أطفال من المدرسة، وتعيش عائلات تحت ضغط الفقر والعوز، ويصبح تأمين أبسط مستلزمات الحياة معركةً يومية…تُعقد جلسة بعنوان:

«الإتيكيت والبروتوكول للمرأة الراقية… من الحضور الاجتماعي إلى التأثير الوظيفي»!

لا أحد يعترض على الإتيكيت.

ولا على الثقافة.

ولا على الحوار.

ولا على حق الناس في أن يتعلموا كيف يتصرفون في المناسبات والعمل والمجتمع.لكن السؤال الذي يوجع أكثر من عنوان الندوة أيُّ مجتمعٍ نريد أن نعلّمه الإتيكيت، قبل أن نعلّمه كيف يعيش؟

حضور اجتماعي

ما قيمة أن نتحدث عن قواعد الجلوس، وطريقة المصافحة، وأصول الحضور الاجتماعي، بينما هناك طفلٌ لا يعرف إن كان غداً سيجلس على مقعد المدرسة أم سيجلس على قارعة الفقر؟ ما قيمة الحديث عن «المرأة الراقية» في مجتمعٍ ما زالت فيه نساء كثيرات يصارعن الفقر والبطالة والحاجة، ويبحثن عن أبسط شروط الحياة الكريمة؟

أيُّ بروتوكول هذا الذي نحتفي به، بينما الواقع من حولنا يحتاج قبل كل شيء إلى بروتوكول للنجاة؟

نحتاج إلى ندوات عن الطفل العراقي الذي ضاعت منه سنوات العمر.

عن الطفل الذي حُرم من المدرسة.

عن الأسرة التي لا تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية.عن المرأة التي لا تبحث عن «الحضور الاجتماعي» بقدر ما تبحث عن الأمان والعمل والخبز والكرامة.نحتاج إلى جلسات تسأل:

لماذا صار الفقر قضيةً اعتيادية؟

ولماذا أصبح الحرمان خبراً عابراً؟

ولماذا نتعامل مع انهيار الإنسان وكأنه تفصيل صغير في هامش المشهد؟ المشكلة ليست في أن نتحدث عن الإتيكيت.المشكلة حين يتحول الإتيكيت إلى ستارةٍ مخملية تُسدل على وجه واقعٍ قاسٍ.

المشكلة حين يصبح المجتمع منشغلاً بكيفية الإمساك بفنجان القهوة، بينما هناك من لا يجد القهوة ولا الفنجان ولا حتى الماء.المشكلة حين نبحث عن «المرأة الراقية» في قاعة مغلقة، ولا نبحث بالقدر نفسه عن المرأة العراقية التي أرهقها الفقر، وعن الطفل الذي سرق الحرمان طفولته.

والسؤال الأهم: من يحدد أولويات المشهد الثقافي؟

ومن يقرر أن هذه هي القضايا التي تستحق المنصة، بينما قضايا الإنسان العراقي الأكثر، إلحاحاً تبقى خارج الضوء؟ وهل المؤسسات الراعية لهذه الفعاليات تملك رؤية ثقافية واضحة لأولويات المجتمع، أم أننا بدأنا ننتج فعالياتٍ من أجل الفعاليات، وعناوينَ من أجل العناوين، وصفوفاً من الكلمات الجميلة لا تصل إلى الشارع؟

نريد أن نعرف: أين الندوة التي تتحدث عن الطفل العراقي المحروم من التعليم؟

خدمات اساسية

أين الجلسة التي تناقش الفقر الذي ينهش العائلة العراقية؟

أين الورشة التي تبحث في انهيار الخدمات الأساسية؟

أين الحوار الذي يضع كرامة الإنسان العراقي في مركز الطاولة؟

أين المثقف عندما يكون السؤال عن إنسانٍ لا يملك ترف الحديث عن «البروتوكول» لأنه منشغل بكيفية عبور يومه؟

الثقافة ليست حفلاً أنيقاً منفصلاً عن الألم. الثقافة الحقيقية هي أن ترى الألم، وتسمّيه، وتضعه على الطاولة، وتحرج الصمت حوله.لا نريد ثقافةً تلمّع المشهد.نريد ثقافةً تكشفه.

ولا نريد أن نتعلم فقط كيف نبدو راقين أمام الآخرين؛ نريد أن نتعلم كيف نصبح مجتمعاً يحترم الإنسان فعلاً.فأرقى أنواع الإتيكيت ليس طريقة الجلوس.أرقى الإتيكيت أن تترك مقعدك لطفلٍ حُرم من مقعد المدرسة.وأرقى البروتوكول ليس المصافحة أمام الكاميرات.أرقى البروتوكول أن تصافح وجع الناس قبل أن تصافح أصحاب المناصب.

أما الوطن الذي يُهتك فيه الإنسان، فلا يحتاج أولاً إلى دروسٍ في كيفية الظهور بمظهرٍ راقٍ…بل يحتاج إلى من يعيد إليه معنى الكرامة.هذه ليست معركة ضد الإتيكيت.هذه صرخة ضد اختلال الأولويات.والسؤال يبقى مفتوحاً: مَن يختار لنا ما نتحدث عنه؟

ولماذا لا يكون الإنسان العراقي أول العناوين؟!!

 

 


مشاهدات 46
الكاتب شوقي كريم حسن
أضيف 2026/09/15 - 3:55 PM
آخر تحديث 2026/09/16 - 12:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 52 الشهر 26211 الكلي 16558731
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير