مصرف الوركاء ومأزق المواطنة
عدالت عبد الله
كلنا نُعتبر عراقيين بموجب الجنسية، أو من خلال البطاقة الوطنية، ويُقال إننا سواسية أمام القانون! هذه العبارات باتت روتيناً لغوياً .
أما على أرض الواقع فالأمر شيء آخر، وغالباً ما لا يتطابق مع ما ندعيه أو نتبجّح به، نظراً لانعدام تطبيق المبادئ أصلاً، والعمل بما تمليه القوانين والدساتير وحتى الأعراف، ولا سيما صعوبة الالتزام في واقعنا المرير بقيم المواطنة التي تقدسها المجتمعات المدنية وتلتزم بها الدول المتقدمة، سيما عندما يكون الأمر تحدياً لهم في مدى تجسيد اختلاف مدنياتهم وثقافاتهم عن الآخرين، وطمأنة المواطن بصون حقوقه ورفض التمييز تجاه أي أحد.
أسطّر هذه العبارات لأقف على تجربة مؤسفة تتعلق بهشاشة قيم المواطنة في عراقنا اليوم، أعني هنا تجربة تعاطي الدولة العراقية، والبنك المركزي على وجه الخصوص، مع أزمة بعض المصارف الأهلية وحقوق المودعين فيها.
مصرف المدوية
قبل أيام، تظاهرت أعداد غفيرة من المواطنين الذين أودعوا مدخراتهم في مصرف الطيف الإسلامي، وطالبوا بأن يستلموا ودائعهم في هذا المصرف، بناءً على إعلان أزمة المصرف المدوية، والتي أوحت بأنها بمثابة إعلان إفلاسه.
هذه المطالب مشروعة تماماً، والكل يدعمها ويقر بها. واللافت هو أن الحكومة العراقية والبنك المركزي سرعان ما طمأنا المودعين بأن مستحقاتهم محفوظة ولن تتأثر بأزمة المصرف. ولمسنا من هذا الموقف حقاً روحاً من المسؤولية لدى الدولة ومواكبتها لما يدور في الشارع من أي تحرك أو احتجاج يستلزم الاستجابة له. ولكن الأمر الذي بعث الريبة والتساؤل لدى الكثيرين في الوقت نفسه هو: لماذا لا تخذ للبنك المركزي الموقف المسؤول نفسه تجاه مودعي مصرف الوركاء الأهلي في حينه، علماً بأنهم هم الآخرون لهم المعاناة نفسها، وقد نُشرت عشرات التقارير الإخبارية حولها؟ بل للتعبير عنها نظم المودعون مظاهرات جمة طوال السنوات السبع عشرة الماضية، مطالبين فيها بأن تحافظ الدولة على ودائعهم وأن يستلموها كحق مشروع لهم.
ما الذي وراء عدم اهتمام الدولة والبنك المركزي بمطالب آلاف المودعين في مصرف الوركاء؟
ما قصة قوة النفوذ التي يمتلكها هذا المصرف، لكي تُصمِتَ جميع المسؤولين في الدولة وتجعلهم يغضّون النظر، طوال كل هذه السنين، عن هذا النهب المنظم لودائع مواطني كافة المحافظات العراقية؟
كيف يقبل رئيس وزراء العراق الجديد بهذا التمييز الجائر بين أبناء البلد الواحد؟ وكيف نقرأ ونحلل صمت مجلس النواب، في دوراته الأربع الماضية، منذ أن وقع مصرف الوركاء في أزمته هذه؟ أليس هذا محض تمييز قاتل وموضعاً للشك لدى المواطن؟ أليس هذا يمثل خرقاً فاضحاً للقوانين المتعلقة بحقوق المواطنين؟
أليس هذا أكبر دليل على أننا لسنا بمستوى ادّعاء الحرص على مفهوم المواطنة؟