الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مصرفك في هاتفك.. والفساد في طابور الانتظار

بواسطة azzaman

مصرفك في هاتفك.. والفساد في طابور الانتظار

نبيل رحيم العبادي

 

عندما نقول مصرف رقمي، لا نقصد تطبيقاً للهاتف فقط. نقصد بنية كاملة تعيد تعريف العلاقة بين المال والمواطن، بين الخدمة والثقة، بين المؤسسة والفساد. المصرف التقليدي في العراق، بفروعه العتيقة وإجراءاته الورقية وموظفيه الذين أنهكهم الروتين، لم يعد قادراً على منافسة وهم التطور، ناهيك عن واقع الفساد الذي تسلل إلى مفاصله كالماء في صدع جدار. فساد الإدارة، فساد القرار، فساد التوظيف، وفساد الإفلات من المساءلة. هذا هو النموذج الذي ندفع ثمنه كل يوم حين نقف في طوابير الانتظار، وحين نوقع مستندات لا نقرؤها، وحين ننتظر أياماً لتحويل بسيط كان يمكن أن يتم في ثوانٍ.

يحاول البنك المركزي، بإخلاصٍ لا شك فيه، أن يلملم أشتات الإصلاح، أن يفرض معايير الحوكمة والامتثال، أن يضبط السيولة ويرفع كفاءة المدفوعات. لكن الجهود تظل ناقصة، لأن الإصلاح في مؤسسة ورقية يشبه محاولة تحديث محرك سيارة قديمة دون تغيير هيكلها. الجهد يصطدم بجدار الثقافة الإدارية المتصلبة، وبشبكات المصالح التي تترعرع في ظلال الفروع المكتظة بالموظفين غير المنتجين. هنا يأتي الحل الجذري: المصرف الرقمي.

المصرف الرقمي ليس رفاهية تقنية، بل ضرورة أخلاقية واقتصادية. إنه مصرف تكون فيه المعاملة شفافة، مسجلة، قابلة للتتبع، بعيدة عن تدخل الموظف الذي قد يتلاعب، أو المدير الذي قد يبتز، أو النظام الذي قد يضيع المعاملة في دهاليز الأوراق. عندما يكون هاتف المواطن هو الفرع، وتكون البيانات هي موظف الائتمان، والذكاء الاصطناعي هو المستشار المالي، نكون قد أزلنا مئات الآلاف من نقاط الاحتكاك التي كان الفساد يتسلل منها. لا رشوة لتسريع معاملة، لا وساطة للحصول على تمويل، لا محسوبية في فتح حساب مميز. الخدمة متاحة للجميع، وفق معايير موحدة، وخوارزميات عادلة، شرط أن نحوكها جيداً.

هذا التحول ليس حلماً بعيداً. كثير من دول الجوار سبقتنا، وشركات التقنية المالية تنتظر فقط بيئة تشريعية مشجعة. نحن نملك شباباً متعطشاً للخدمات الذكية، وبنية تحتية للاتصالات متقدمة نسبياً، وحاجة ماسة إلى إدماج الملايين من العراقيين في النظام المالي الرسمي. المصرف الرقمي قادر على الوصول إلى القرى والأرياف، إلى أصحاب المشاريع الصغيرة، إلى النساء اللواتي يخجلن من التعامل المباشر في الفروع، إلى الشباب الذي يثق بالتطبيق أكثر من ثقته بالموظف.

إنني، من موقع خبرتي المصرفية، أؤكد أن الاستمرار في النموذج التقليدي هو استمرار في هدر الفرص، وتكريس للهشاشة، واستسلام لمراكز الفساد التي لا تستحين. الإصلاح الحقيقي يبدأ بقرار شجاع: تحويل المصارف إلى منصات رقمية متكاملة، مع الاحتفاظ بعدد محدود من الفروع الاستشارية للحالات المعقدة والخدمات المؤسسية. لا نغلق الفروع دفعة واحدة، لكن نعيد تعريف دورها، ونجعل الرقمنة هي العمود الفقري، وإلا فسنظل ندور في حلقة الإصلاحات التجميلية ونحن نرى العالم يتقدم.

البنك المركزي يحتاج إلى شريك حقيقي في هذا المسار، شريك هو المجتمع نفسه، الذي يطالب ببديل نظيف. العراق لا يحتاج إلى فروع جديدة، بل يحتاج إلى نظام مصرفي شفاف، سريع، عادل، وآمن. الرقمنة ليست ترفاً في زمن الفساد، إنها سلاحنا الأنجع لتجفيف منابعه، وأبوابنا الأوسع للشمول المالي، ومستقبلنا الأجدر بأن نبنيه اليوم قبل غدٍ.

 

 

 

 


مشاهدات 26
الكاتب نبيل رحيم العبادي
أضيف 2026/08/17 - 2:28 PM
آخر تحديث 2026/08/18 - 1:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 19435 الكلي 16109139
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير