إمكانات كبيرة وإستثمار لم يكتمل
هواري شار.. رئة عاصمة ثقافة كردستان تنتظر مبادرات خارج الصندوق
السليمانية - باسل الخطيب
لم تعد المساحات الخضراء في المدن رفاهية، بل ضرورة حضرية وصحية وبيئية وسياحية، ومن متطلبات التنمية المستدامة. من هنا تشكل حديقة «هواري شار» أحد المعالم المهمة في مدينة السليمانية.
فمنذ وضع الحجر الأساس لها من قبل رئيس حكومة إقليم كردستان حينها برهم صالح، عام 2004، وافتتاحها رسمياً في 22/5/2016، وحتى الآن، لم تعد هواري شار (أي منزل المدينة) تقتصر على كونها متنفساً يعزز أواصر الترابط الاجتماعي لأهالي السليمانية وصلة وصل مع زوارها، وثاني أكبر حديقة في الشرق الأوسط والأكبر على مستوى العراق فحسب، بل مكاناً صحياً يربط الإنسان بجذور الطبيعة ويذكره بروحها، ودرعاً واقياً يحد من تلوثها، وينعش مناخها.
11 مليون متر مساحات خضراء
وقالت المهندسة الزراعية خرمان محمد صالح، مديرة الحديقة، إن الحديقة «أقيمت على مساحة قدرها 4400 دونم (قرابة 11 مليون متر مربع) على بعد 10 كلم شمال غربي مدينة السليمانية»، مشيرة إلى أنها «مقسمة إلى 26 موقعاً تضم أكثر من 350 ألف شجرة أو شجيرة موزعة على 64 نوعاً غالبيتها من العائلة الصنوبرية ومسرحاً رومانياً ومساحات خضراء على 1200 دونم مزروعة بالثيل وألعاب أطفال ومطاعم وكافتريات ونافورات ومساحات مخصصة لإقامة المهرجانات والحفلات فضلاً عن مشتل يؤمن احتياجات الحديقة من الأشجار والنباتات وثمانية آبار لتأمين احتياجاتها من مياه السقي وطرق للمشاة وأخرى لسير المركبات».
وأضافت أن الحديقة «تضم مساحات مخصصة لزراعة الفواكه كالتين والعنب والرمان والتوت و11 ألف شجرة زيتون تنتج قرابة سبعة أطنان من الزيت يتم تسويقها تجارياً»، مبينة أنها «تضم أيضاً العديد من أنواع النباتات الطبية وعشرات الأنواع من الحيوانات البرية».
وذكرت صالح أن الحديقة «تشهد باستمرار العديد من الفعاليات والمهرجانات المحلية»، متمنية «زيادة صلاحيات إدارة الحديقة وتخصيصاتها لتتمكن من تنفيذ فعاليات أكثر».
آمال باستكمال مراحل المشروع
وأوضحت صالح، أن مشروع الحديقة «يتألف من ثلاث مراحل أنجزت منها مرحلتان شملتا البنية التحتية وتحديد المساحات وزراعة الأشجار وباقي النباتات ونصب منظومات الري بالتنقيط والإنارة»، متمنية أن «يتم تنفيذ المرحلة الثالثة من المشروع التي تتضمن إقامة فندق والعديد من المرافق السياحية وبحيرات صغيرة وتلفريك ومدينة ألعاب وحديقة حيوانات وميدان لركوب الخيل فضلاَ عن استكمال تشجير المساحات غير المزروعة في الجزء العلوي من المشروع».
وبشأن الأحداث غير المألوفة التي شهدتها الحديقة، قالت مديرتها إن آلاف الزوار «يترددون عليها يومياً استمتاعاً بمناظرها الجميلة وأجوائها الساحرة»، مستدركة أن الحديقة «شهدت واقعتي انتحار سنة 2025 حين أقدم شخص على شنق نفسه على أحد أشجارها وانتحر آخر أمام المسرح الروماني مما اضطرنا التشدد في إجراءات السلامة والأمان».
مشروع للتنمية المستدامة
كان المخطط الأساس لهواري شار حافلاً بالعديد من الأفكار والبرامج الطموحة التي تسعى لتحويلها إلى مشروع للتنمية المستدامة، من بينها تشكيل مجلس علمي (بورد) يتولى الإشراف عليها ووضع مسارات تطويرها ومتابعة تنفيذها. وترأس د. برهم صالح المجلس، وكان إلى جانبه مجموعة من المتخصصين، بيد أن دور المجلس تراجع حد التلاشي لأسباب مختلفة.وأعربت مديرة الحديقة عن «أسفها لتراجع دور المجلس العلمي الذي كان يشرف على الحديقة ويسهم في برامج تطويرها»، داعية إلى ضرورة «تفعيل دور المجلس لما له من أهمية في الارتقاء بواقع الحديقة».
وتابعت أن الحديقة برغم ذلك «تتعاون مع كلية الزراعة في جامعة السليمانية»، شارحة أن ذلك «يتجلى في احتضان العديد من طلبة الدراسات العليا لإجراء بحوثهم في الحديقة وإتاحة الفرصة لتدريب طلبة الكلية خلال العطلة الصيفية».
وبهذا الشأن قال عضو المجلس، عالم الأحياء البروفيسور د. سامان عبد الرحمن أحمد، إن البورد كان «يضم 18 شخصاً من مختلف التخصصات العلمية (معماري، مدني، ري، زراعة، بيطرة ... إلخ.) للإشراف على الحديقة وتطويرها»، مشيراً إلى أن البورد «تكفل بحل العديد من المشاكل التي واجهتها في بداية تأسيسها وأسهم في وضع البرامج التطويرية لها لتكون مشروعاً بيئياً متكاملاً».
وأيد ضرورة «إعادة تشكيل البورد العلمي المشرف على هواري شار وتفعيل دوره الذي تراجع بعد سنة 2021»، معتبراً أن ذلك «يسهم في الارتقاء بواقع الحديقة وينسجم مع هدفها كمشروع للتنمية المستدامة».
ويستذكر أحمد دور مؤسسة نباتات كردستان في الجامعة الأمريكية- السليمانية في دعم مشروع الحديقة والإسهام في تطويره، قائلاً إنه «لم يقتصر على بلورة فكرة المشروع فحسب بل والمشاركة ميدانياً في تنفيذه من خلال زراعة المئات من أشجار البلوط والزعرور وغيرها من الأنواع المحلية».
وأكد أن فكرة إنشاء بنك الجينات وتصميمه «جاءت من المؤسسة فيما جرى الإشراف على المشروع بالتعاون مع وزارة الزراعة الكردستانية وتم تمويله من الاتحاد الأوروبي وتنفيذه من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)»، منوهاً إلى أن مشروع الحديقة النباتية «نفذ بالتنسيق مع وزارة الزراعة الكردستانية بالتعاون مع الحديقة النباتية الملكية في إدنبرة (Royal Botanic Garden Edinburgh) التي تعتبر إحدى أعرق الحدائق النباتية في العالم وأشهرها فيما تولت محافظة السليمانية تمويل المشروع».
المسرح الروماني
يشكل المسرح الروماني، الذي يشغل مساحة 10 ملايين متر مربع، وأفتتح عام 2017، أحد الأماكن البارزة في الحديقة، حتى أنه بات معلماً سياحياً وفنياً وثقافياً قائماً بذاته. وقد صمم المسرح على طراز مسرح «الكولوسيوم» الشهير في روما ليكون من أكبر مسارح العرض في المنطقة.
ويتألف المسرح من مبنى الإدارة والكواليس، ويضم ثلاثة طوابق ذات نوافذ مفتوحة، ترتفع عبر أقواس نصف دائرية قائمة على أعمدة حجرية، تقابلها ساحة العرض التي يحيط بها 34 مدرجاً نصف دائرياً تتسع لنحو خمسة آلاف متفرج.
وقال د. محسن أديب، المدير العام للثقافة والفنون في السليمانية، الجهة المسؤولة عن المسرح، إنه «أنشئ في إطار مشاريع البنية التحتية للسليمانية عاصمة الثقافة الكردستانية»، مشيراً إلى أنه «يعتبر أول مسرح مفتوح في العراق يتسع لهذا العدد من المشاهدين».
وأضاف أن المسرح “شهد إقامة العديد من الفعاليات خلال العام 2026 الحالي»، مبيناً أن من بينها «حفلتين موسيقيتين ونشاطات رياضية وفعاليات فنية وغنائية متنوعة فضلاً عن عشرات حفلات تخرج طلبة الجامعات».
وأكد أديب، أن العام الحالي “سيشهد المزيد من الفعاليات منها إقامة مهرجان فني كبير يقوده الفنان المعروف سالم عبد الكريم خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل»، لافتاً إلى أن المهرجان «يهدف إلى التعريف بالتراث الفني والموسيقي العراقي الأصيل».
ودعا المدير العام إلى “تخصيص ميزانية خاصة بالمسرح”، معتبراً أن من شأن ذلك «تمكين الدائرة من التوسع في استثمار المسرح وإقامة فعاليات فنية وثقافية محلية وعالمية تنسجم مع كون السليمانية عاصمة الثقافة الكردستانية».
• دعوات لزيادة الفعاليات وتنويعها
وفي حين أعرب زوار للحديقة عن ارتياحهم لما يجدونه فيها من أجواء وخدمات، وما يقام فيها من مهرجانات وفعاليات، دعا آخرون إلى ضرورة الارتقاء بمستوى الفعاليات التي تقام في الحديقة وتنويعها بأفكار من خارج الصندوق بما يعزز مكانة السليمانية السياحية والثقافية.
وقال الموظف الجامعي كاوة حمه صالح، إن الحديقة “لم تستثمر بالنحو المطلوب قياساً بما فيها من مميزات أو بما يتناسب مع كون السليمانية عاصمة الثقافة في إقليم كردستان»، داعياً الجهات المعنية إلى «إقامة فعاليات علمية أو ثقافية أو فنية محلية وأجنبية دورية أكثر في الحديقة لاسيما في المسرح الروماني كاستضافة فرق مسرحية أو موسيقية أو غنائية عالمية وغيرها لتنشيط حركة السياحة والثقافية في السليمانية».
وأضاف صالح، أن وجود بنك الجينات والحديقة النباتية في هواري شار «يشكل قاعدة واعدة ينبغي أن يبنى عليها للتوسع في الدور العلمي والتنموي للحديقة»، مؤكداً على ضرورة «إقامة مشاريع وفعاليات خارج الصندوق لتكون الحديقة بحق عاملاً للتنمية المستدامة في السليمانية».
وأيده في ذلك آشنا كمال (أعمال حرة)، الذي دعا إلى استثمار الحديقة في «إقامة المزيد من الفعاليات والمهرجانات المحلية والأجنبية المتنوعة على غرار ما هو موجود في الدول الأخرى كتركيا مثلاً»، مذكراً بأن معرض أزمير الدولي «يقام في حديقة عامة مشابهة ويستضيف فعاليات صناعية وترفيهية من مختلف دول العالم».
بدورها دعت شيلان جمال (طالبة جامعية)، إلى «التوسع بإقامة فعاليات فنية وثقافية وترفيهية وعروض أزياء في الحديقة»، مستغربة من «عدم استثمار المسرح الروماني لإقامة مثل تلك الفعليات اسبوعياً أو شهرياً على الأقل».
• أكثر من متنفس طبيعي
إن المقومات المتوافرة في «هواري شار»، من مساحة واسعة وتنوع بيئي ونباتي، ومرافق خدمية وترفيهية، تؤهلها لتكون أكثر من مجرد متنفس طبيعي لأهالي السليمانية وزوارها فحسب، بل أن تكون مشروعاً حضرياً وبيئياً وسياحياً متكاملاً، إذا ما استكملت مراحلها المتبقية وفعلت برامج تطويرها بمبادرات من خارج الصندوق واستثمرت مرافقها بالشكل الأمثل.