الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح الفساد ثقافة وأسلوب حياة

بواسطة azzaman

حين يصبح الفساد ثقافة وأسلوب حياة

رشيد العجيل 

 

لم يعد الفساد في العراق مجرد ملفات تُفتح، أو مسؤولين تُوجّه إليهم اتهامات، أو أموال تُسرق ثم تُنسى قصصها مع مرور الوقت. المشكلة أصبحت أعمق من ذلك بكثير. فالسؤال الذي يجب أن نواجهه بشجاعة ليس فقط: من يسرق العراق؟ بل: كيف أصبح الفساد جزءاً من الحياة اليومية حتى اعتاد عليه الناس، وتكيفت معه المؤسسات، وأصبح البعض يتعامل معه وكأنه قدر لا مفر منه؟

الفساد لا يبدأ دائماً من الصفوف العليا، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى منظومة ضخمة من دون بيئة تسمح له بالنمو والاستمرار. الرشوة الصغيرة، والواسطة، واستغلال الوظيفة، وتجاوز القانون، والصمت عن الفاسد، كلها حلقات في سلسلة واحدة. وعندما يقتنع المواطن بأن حقه لا يمكن أن يحصل عليه إلا بواسطة أو رشوة أو معرفة شخصية، فإن الدولة تكون قد بدأت بفقدان معناها الحقيقي.

والأخطر أن المجتمع، بعد سنوات طويلة من الأزمات، بدأ يفقد صدمته أمام الفساد. أصبح الناس يسمعون عن سرقات بمبالغ هائلة ثم ينتقلون إلى خبر آخر. يرون مسؤولاً متهماً بالفساد، ثم يجدونه بعد مدة في موقع جديد أو محاطاً بالحماية والنفوذ. وهكذا تتراجع الحساسية الأخلاقية تدريجياً، ويصبح السؤال أحياناً ليس: لماذا سرق؟ بل: كيف لم يستطع أن يستفيد مثل الآخرين؟

فهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

عندما تصبح النزاهة استثناءً، والفساد قاعدة غير مكتوبة، نكون أمام مجتمع مهدد ليس فقط اقتصادياً، بل أخلاقياً وسياسياً. فالفساد لا يسرق المال العام وحده؛ إنه يسرق ثقة المواطن بالدولة، ويهدم احترام القانون، ويزرع القناعة بأن القوة والعلاقة والنفوذ أهم من الكفاءة والاستحقاق.

لكن الخطر يتضاعف عندما لا يقتصر الفساد على بعض الموظفين والمسؤولين، بل يمتد إلى من يُفترض بهم حماية المجتمع من الفساد.

فحين يشارك بعض من يدّعون تمثيل التشريع في استغلال السلطة والمناصب والمصالح، فإنهم لا يخونون الثقة السياسية فقط، بل يحولون القانون نفسه إلى أداة قابلة للتلاعب. ومن يتحدث باسم التشريع يجب أن يكون أول من يخضع للقانون، لا أول من يبحث عن الاستثناءات والثغرات والحصانات.

والأشد خطورة هو أن يتورط بعض من يتصدّرون المشهد الديني في الفساد، أو في حمايته، أو في الصمت عنه عندما يتعلق الأمر بأشخاص مقربين منهم. فالمكانة الدينية ليست امتيازاً فوق المساءلة، ولا حصانة ضد النقد، ولا رخصة لاستخدام ثقة الناس لتحقيق المصالح.

حين يُستغل الدين لتغطية الفساد، تكون الجريمة مضاعفة. فهناك اعتداء على المال والحقوق، وفي الوقت نفسه اعتداء على القيم الأخلاقية التي يُفترض أن يمثلها الدين. وعندما يرى المواطن شخصاً يتحدث عن الأمانة والعدل بينما تحيط به شبهات المصالح والامتيازات، فإن الضرر لا يصيب مؤسسة أو شخصاً فقط، بل يصيب ثقة الناس بكل الخطاب الأخلاقي.

إن الفاسد الذي يسرق بصمت خطر، لكن الأخطر منه من يسرق وهو يرفع شعارات الوطنية، أو يخرق القانون وهو يتحدث عن حماية القانون، أو يستغل الناس وهو يرفع راية الدين والأخلاق. ذلك النوع من الفساد لا يكتفي بسرقة المال، بل يعمل على تزوير الوعي وتشويه الحقائق.

ولهذا فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون حملة موسمية، ولا مجرد تصريحات سياسية، ولا ملاحقة انتقائية لبعض الأسماء. فالعدالة الانتقائية ليست عدالة، ومحاسبة الضعيف وترك القوي ليست إصلاحاً.

الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح القانون أعلى من الأشخاص والانتماءات والمواقع والمكانة الاجتماعية والدينية. عندما يعرف المواطن أن المسؤول يُحاسَب، وأن المشرّع يُسأل، وأن صاحب المكانة الدينية لا يتمتع بحصانة من النقد والمساءلة، تبدأ الثقة بالمجتمع.

العراق لا يحتاج فقط إلى تغيير الحكومات والوجوه، بل يحتاج إلى تغيير الثقافة التي تسمح للفساد بأن يستمر. يحتاج إلى مواطن يرفض أن يكون جزءاً من منظومة الرشوة والواسطة، وإلى موظف يعرف أن وظيفته مسؤولية وليست فرصة للثراء، وإلى مشرّع يحترم القانون قبل أن يطالب الآخرين باحترامه، وإلى شخصية دينية تدرك أن احترام الناس لها مسؤولية أخلاقية وليست وسيلة لتحقيق النفوذ والمصالح.

الفساد ليس طبيعة عراقية، وليس قدراً مكتوباً على هذا الشعب. إنه نتيجة سنوات طويلة من ضعف الدولة، وغياب العدالة، وغياب المحاسبة، وتحوّل الصمت إلى وسيلة للتعايش.

لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نقبل به كجزء طبيعي من حياتنا.

فالدول لا تنهار فقط عندما تُسرق أموالها، بل عندما يفقد مواطنوها الإيمان بأن الإصلاح ممكن. وحين يستعيد العراقي ثقته بأن صوته له قيمة، وأن القانون يمكن أن يحميه، وأن الفاسد ـ مهما كان موقعه أو لقبه أو لباسه ـ ليس فوق المساءلة، عندها فقط تبدأ المعركة الحقيقية ضد الفساد.

أما إذا استمررنا في تغيير الوجوه والإبقاء على الثقافة نفسها، فسنظل ندور في الحلقة ذاتها: فاسد يرحل، وآخر يأتي، وشعارات تتغير، بينما يبقى الفساد هو النظام الحقيقي الذي يدير الحياة من خلف الستار.


 

 


مشاهدات 25
الكاتب رشيد العجيل 
أضيف 2026/08/30 - 1:30 PM
آخر تحديث 2026/08/31 - 1:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 139 الشهر 41181 الكلي 16130885
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير