الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدفء السياسي.. حين يصبح التملّق شرطًا للبقاء

بواسطة azzaman

الدفء السياسي.. حين يصبح التملّق شرطًا للبقاء

جبار فريح شريده

 

في العراق، لا يحتاج بعض المسؤولين إلى مكتب واسع، ولا إلى فريق من الخبراء، ولا حتى إلى برنامج واضح لإدارة الدولة. يكفي أن يكون حوله عدد مناسب من الذين يعرفون كيف يجعلونه يشعر بأنه أعظم مسؤول مرّ على تاريخ البلاد.

وهذا هو ما يمكن أن نسميه، بكل جدية ساخرة: الدفء السياسي.

فالمنصب، بالنسبة إلى من جاء إليه باستحقاق، مسؤولية ثقيلة؛ أما بالنسبة إلى من وصل إليه بغير استحقاق، فهو غرفة باردة تحتاج إلى مدفأة بشرية.

وهنا يظهر المتملقون.

واحد يصف المسؤول بأنه «رجل الدولة»، وآخر يكتشف فيه «الرؤية الاستراتيجية»، وثالث يؤكد أن قراراته «تحتاج إلى قراءة عميقة»، بينما المواطن في الخارج يبحث عن خدمة أساسية، أو وظيفة، أو شارع صالح للسير.

لا أحد من هؤلاء يسأل السؤال المزعج:

ماذا أنجزت؟

لأن السؤال عن الإنجاز قد يفسد حفلة الدفء.

في السياسة العراقية، هناك مسؤولون لا يخافون من الفشل بقدر ما يخافون من أن يتوقف المديح حولهم. فالفشل يمكن تبريره، والأرقام يمكن الالتفاف عليها، والوعود يمكن تأجيلها، أما أن يخرج أحدهم ويقول: «سيدي، أنت مخطئ»، فهذه جريمة تكاد تكون أكبر من الخطأ نفسه.

ولهذا يفضّل بعض المسؤولين المستشار الذي يهز رأسه بالموافقة على الخبير الذي يهز رأسه اعتراضًا.

الأول يضمن له راحة البال، والثاني يهدد صورة العبقرية المصنوعة حوله.

ومع الوقت، يصبح للمسؤول عالمه الخاص.

في هذا العالم، كل شيء على ما يرام.

المشاريع ناجحة، والخدمات ممتازة، والناس راضية، والانتقادات مؤامرة، والصحفي الذي يسأل كثيرًا «مغرض»، والموظف الذي يعترض «غير منضبط»، والسياسي الذي ينتقد «حاقد»، أما الذي يصف المسؤول بأنه «صمام أمان العملية السياسية» فهو رجل حكيم يستحق أن يبقى قريبًا من مصدر القرار.

وهكذا تتحول الدولة إلى مسرح، ويتحول المسؤول إلى بطل، ويتحول المتملقون إلى جمهور مأجور بالامتيازات.

المشكلة أن التصفيق لا يبني دولة.

والمديح لا يصلح شارعًا.

والولاء الشخصي لا ينتج جامعة، ولا مستشفى، ولا اقتصادًا، ولا مؤسسات محترمة.

لكن المتملق لا تعنيه هذه التفاصيل. هو يعرف أن مهمته ليست إصلاح الدولة، وإنما إصلاح مزاج المسؤول.

لذلك لا يقول له: «قرارك خاطئ».

بل يقول: «قرارك جريء».

ولا يقول: «المشروع فشل».

بل يقول: «المشروع واجه تحديات».

ولا يقول: «أنت اخترت الشخص الخطأ».

بل يقول: «اختيارك كان صائبًا، لكن الظروف لم تساعد».

وبهذه الطريقة، يمكن لأي فشل أن يجد له اسمًا أكثر أناقة.

وهذه ليست مشكلة أخلاقية فقط، بل مشكلة دولة.

لأن المسؤول الذي يحيط نفسه بمن يقولون له ما يحب سماعه، يبدأ تدريجيًا بفقدان القدرة على معرفة ما يحدث فعلًا خارج مكتبه.

تصبح التقارير أجمل من الواقع، والصور الرسمية أفضل من الشوارع، والتغريدات أكثر صدقًا من شكاوى الناس.

ثم تأتي لحظة يكتشف فيها المسؤول أن المدينة التي كان يظن أنها بخير ليست بخير، وأن المواطن الذي كان يُقال له إنه راضٍ لم يكن راضيًا، وأن الإنجازات التي كان يسمع عنها كانت في جزء منها إنجازات على الورق.

لكن عندها يكون الدفء قد أدى وظيفته.

لقد أبعد البرد عنه طويلًا، وأبعد معه الحقيقة.

العراق بحاجة إلى مسؤولين لا يخافون من البرودة.

نعم، البرودة السياسية مطلوبة أحيانًا؛ أن يجلس المسؤول وحيدًا أمام ملفه، بلا جوقة تصفق، وبلا أشخاص ينتظرون منه منفعة، ويسأل نفسه: هل أنا فعلًا أستحق هذا الموقع؟

السؤال مؤلم، لكنه صحي.

أما أن يصبح معيار اختيار المحيطين بالمسؤول هو قدرتهم على رفع معنوياته، فهذه ليست إدارة دولة؛ هذه إدارة صورة.

والدولة لا تُدار بالصور.

الدولة تُدار بالكفاءة، والمحاسبة، والمؤسسات، والنتائج.

لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله نظام سياسي هو أن يجعل المنافق أكثر أمانًا من الصريح، والمتملق أقرب من الكفوء، والمصفق أكثر نفوذًا من الخبير.

عندها لا يعود الفساد بحاجة إلى أبواب خلفية؛ يكفي أن يدخل مرتديًا بدلة أنيقة، ويحمل ملفًا، ويقول للمسؤول:

«أنت الوحيد القادر على إنقاذ البلد».

والمفارقة أن البلد قد يكون بحاجة فعلًا إلى الإنقاذ، لكن أول ما يحتاج إلى الإنقاذ منه هو أولئك الذين أقنعوا المسؤول بأنه لا يخطئ.

في العراق، لا تنقصنا الأصوات التي تتحدث عن الإصلاح.

ما ينقصنا هو أن يصبح قول الحقيقة وظيفة، لا مخاطرة.

وأن يصبح الاستحقاق طريقًا إلى المنصب، لا عائقًا أمامه.

وأن يدرك المسؤول أن من يقول له «أحسنت» ليس بالضرورة صديقًا، وأن من يقول له «أخطأت» ليس بالضرورة عدوًا.

فربما كان أخطر شخص في مكتب المسؤول ليس خصمه السياسي، وإنما ذلك الرجل الذي يقف أمامه كل صباح، ويخبره أن كل شيء ممتاز.

ذلك هو صانع الدفء السياسي.

وحين يشتد هذا الدفء، لا يعود المسؤول قادرًا على رؤية النار التي تشتعل خارج مكتبه


مشاهدات 88
الكاتب جبار فريح شريده
أضيف 2026/08/29 - 1:48 PM
آخر تحديث 2026/08/30 - 1:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 166 الشهر 39592 الكلي 16129296
الوقت الآن
الأحد 2026/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير