الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حاميها حراميها.. حين يتحوّل الأمين إلى سارق لأموال الشعب

بواسطة azzaman

حاميها حراميها.. حين يتحوّل الأمين إلى سارق لأموال الشعب

نهى الخزاعي

 

تطالعك الأرقام الصادمة لملفات الفساد في العراق كل يوم عبر منصات الإعلام، لتكشف عن مليارات الدولارات المنهوبة ومشاريع وهمية شُيّدت على الورق فقط. في تلك اللحظة، يتسلل إلى ذهن المواطن سؤال مرعب: كيف اؤتمن هؤلاء الأشخاص على مصائرنا؟ كيف تحول من أقسم على حماية الوطن وثرواته إلى معول يهدم بنيانه؟.. المفارقة الصادمة في المشهد العراقي اليوم هي تغلغل الفساد حتى وصل إلى مفاصل الدوائر الصغيرة. صرت تجد موظفاً بسيطاً براتب محدود، يمتلك عقارات وسيارات وحسابات بنكية لا يتسع لها خيال المواطن الكادح. هذا التضخم المفاجئ في ثروات الصغار والكبار يعكس حقيقة مريرة: منظومة «حاميها حراميها» أصبحت عقيدة تدار بها بعض مؤسسات الدولة.

إن الاستغراب من كيفية وصول هؤلاء الفاسدين إلى مناصبهم يزول عندما نفهم الآلية التي صُنعوا بها. لم يأتِ معظمهم بناءً على كفاءة أو نزاهة، بل جاءت بهم المحاصصة التي تقاسمت غنائم الوطن. عندما يصبح المنصب الحكومي «حصة» حزبية، فمن الطبيعي أن يفكر المسؤول في كيفية استرداد ثمن منصبه ومضاعفة أرباحه، وليس في خدمة المواطن الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة.

المال المنهوب ليس مجرد أرقام في تقارير هيئة النزاهة؛ هو مستشفيات لم تُبنَ، ومدارس طينية يدرس فيها الأطفال، وبنى تحتية متهالكة. إنه مستقبل جيل كامل يُسرق جهاراً نهاراً تحت غطاء «الحماية» المزعومة.. لن يتعافى العراق إلا بكسر هذه الحلقة المفرغة عبر تفعيل صارم لمبدأ «من أين لك هذا؟» على الجميع دون استثناء. يجب أن يعود للقانون هيبته وللوظيفة العامة قداستها، ليصبح الحامي حامياً حقيقياً، ويُساق السارق إلى المكان الذي يستحقه خلف القضبان

إن استمرار هذا النزيف اليومي لأموال العراق لم يعد مجرد قضية فساد إداري يمكن علاجها باللوائح والقوانين الروتينية؛ بل هو «إبادة جماعية معنوية» تُرتكب بحق شعب بأسمله. عندما ينام الفاسد فوق تلال من الأموال المنهوبة، ينام في المقابل ملايين العراقيين تحت خط الفقر، ويحلم شبابنا بركوب قوارب الموت هربًا من وطن خنقته المحاصصة.

إن الرهان اليوم لم يعد على ضمائر ماتت شبعًا من الحرام، بل على يقظة شعبية وقضاء شجاع يكسر قيود النفوذ، ليعيد صياغة المعادلة المشوهة. فالتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط بقلة مواردها، بل بانتشار الظلم وغياب العدالة. ولن يشرق فجر جديد على بلاد الرافدين ما دام «الحامي» يرتدي ثوب الواعظ نهارًا، ويتحول إلى «حرامي» يسرق لقمة الجائعين ليلاً. لقد حان الوقت لتسقط الأقنعة، فالعراق ليس غنيمة حرب، بل وطن يستحق الحياة

 


مشاهدات 24
الكاتب نهى الخزاعي
أضيف 2026/08/26 - 1:44 PM
آخر تحديث 2026/08/27 - 2:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 169 الشهر 34734 الكلي 16124438
الوقت الآن
الخميس 2026/8/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير