حين تستبدّ السلطة برأس صاحبها
عبدالحق الناصري
تظلّ شهوة السلطة إحدى أعنف الغرائز الإنسانية وأكثرها قدرة على إعادة تشكيل النفس البشرية. هي ليست مجرد رغبة في الإدارة أو التنظيم، بل هي «عقيدة» تتسلل إلى عقل صاحبها حتى تجعله يرى العالم كله من ثقب إبرة: إما معي، أو ضد عرشي.
عندما تتملك هذه الشهوة من شخص ما، يبدأ التحول تدريجياً. أول ما يتآكل فيه هو القدرة على التعاطف؛ يتحول الناس في عين المسؤول أو القائد من أفراد لهم أحلام ومخاوف إلى مجرد أرقام في معادلة بقائه، أو حجارة شطرنج تحرّكها أصابع الخوف. نعم، الخوف! فالغريب في أمر السلطة المطلقة أنها لا تمنح الطمأنينة أبداً، بل تخلق «بارانويا» لا تهدا. كلما اتسعت رقعة النفوذ، ضاقت مساحة الثقة، وأصبح الشك في الأقربين هو القوانين الوحيدة المعتمدة.
وهنا يقع الانفصال الكبير عن الواقع. يُحيط صاحب السلطة نفسه بعازل متين من المصفقين والموافقين، يُحجب عنه النقد، وتغدو الحقائق الميدانية مجرد «همس مشبوه». يقتنع تماماً بأنه المنقذ الوحيد، وأن وجوده ليس خياراً بل ضرورة تاريخية.
هذا التوهم يدسّ أنفه فوراً في دفاتر الماضي. لا يكتفي مَن تحركه هذه الشهوة بالسيطرة على الحاضر، بل يلتفت للماضي ليعيد تشكيله. يُحذف الرفاق من الصور القديمة، وتُقزم إنجازات المشرّعين والشركاء، ويُعاد تفصيل التاريخ الوطني ليصبح مجرد تمهيد لللحظة التي اعتلى فيها الكرسي. يصبح التاريخ كله شخصياً، والإنجازات صروحاً حرص على أن تُحفر عليها أسماؤه، حتى لو بُنيت على أجساد واستنزاف الجميع. لكن المأساة الكبرى التي يغفل عنها كل من سكر بهذه الشهوة، هي أن السلطة القائمة على الفرد هشّة بطبعها. إضعاف المؤسسات لحساب الذات يضمن سيطرة مطلقة في الحياة، لكنه يضمن أيضاً انهيار كل شيء بمجرد غياب الشخص.
يموت الحاكم، وتتحول الصروح إلى أطلال، ويبقى التاريخ شاهداً على حقيقة واحدة: أن السلطة لم تكن يوماً ملكاً لأحد، بل كانت مجرد فخ طالما أوهَم صاحبه بأنه مَلك السحاب، بينما كان يفرك أصابعه في الطين.