الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صحفنا القديمة.. ذاكرة وطن

بواسطة azzaman

فم مفتوح .. فم مغلق

صحفنا القديمة.. ذاكرة وطن

زيد الحلي

 

حين بدأ السيد معز النقيب بنشر أرشيف يضم مجموعة من الصحف العراقية، على  صفحته في الفيسبوك ،تعود إلى مراحل زمنية متعددة، بعضها يمتد إلى عشرينيات القرن الماضي، وأخرى إلى سنوات قريبة، توقعتُ أن الرجل سيتوقف بعد وقت قصير، لنفاد ما يمتلكه من صحف بان عليها الاصفرار بفعل السنين، لكن الأمر تجاوز توقعاتي، فما زال كرم السيد معز، وهو من سكنة مدينة كربلاء المقدسة، يتقاطر علينا، وفي كل يوم تقريباً نتصفح صحيفة قديمة من تلك التي كان آباؤنا يطالعونها، مثل جرائد: «البلاد»، و«الأخبار»، و«صوت الأحرار»، و«العرب»، و«البلد»، و«اليقظة»، و«الوطن»، و«اتحاد الشعب»، و«الأهالي»، و«الأنباء»، و«الاتحاد الدستوري»، و«العهد الجديد»، و«المجتمع»، و«الجمهور الرياضي»، و«الملعب»، و«النصر»، و«المواطن»، و«الثورة»... وعشرات غيرها.

يدرك الجميع أن الأرشيف الصحفي هو الذاكرة الحية للأمم، ومصدر أساس لفهم تاريخها وتوثيق تفاصيل حياتها اليومية، وتنبع أهميته من كونه أشبه بآلة زمن تستدعي القصص والأحداث والشخصيات التي دخلت في طي النسيان بفعل تقادم السنين، وتتيح للباحثين والدارسين مقارنة التطورات التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية وتحليلها عبر حلقات الزمن.

فالصحيفة القديمة ليست أوراقاً صفراء وحسب، بل يوم كامل من حياة وطن ، فيها خبر الناس، وهمومهم، وأسعار أسواقهم، وخلافاتهم السياسية، ونتاج أدبائهم، وأحلام شبابهم، وحتى إعلاناتهم وصورهم. وربما نجد في خبر صغير منشور قبل سبعين أو ثمانين عاما مفتاحا لفهم واقعة كبيرة ظل الباحث يبحث عن تفاصيلها طويلاً.

ومعروف أن كل صحيفة أو مجلة تمتلك مخزونا هائلاً من المقالات والمواد المنشورة في مختلف المجالات، كالأدب والشعر والسياسة والنقد والسيرة وقراءة الكتب والحوارات وغيرها، ومن هنا يصبح من الضروري أن تحسن المؤسسات الصحفية الاستفادة من أرشيفها، ليس بوصفه مستودعا للماضي، بل ثروة معرفية قادرة على خلق قيمة مضافة لمصداقيتها المهنية والحفاظ على تاريخها.

وهنا تجدر الإشارة إلى مؤسسة «الأهرام» المصرية، التي تمتلك واحدا من أبرز الأرشيفات الصحفية والتوثيقية في المنطقة، ويعود تاريخ صحيفتها إلى القرن التاسع عشر، وكذلك أرشيف صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية الذي يمتد إلى صدور عددها الأول في 18 أيلول عام 1851، وهو ما يؤكد أن المؤسسات الصحفية العريقة لا تنظر إلى أعدادها القديمة باعتبارها أوراقا انتهى زمنها، وإنما جزءا من تاريخها ومن ذاكرة مجتمعاتها.

شخصياً، أعلم أن الإشكال الحقيقي الذي تواجهه صحافتنا الورقية اليوم يتمثل في غياب مشروع شامل ومنظم لأرشفتها، ولاسيما أن الأزمات المالية وغياب الدعم والاستقرار عن كثير من المؤسسات الصحفية اضطرا عشرات الصحف والمجلات إلى التوقف أو الانسحاب المؤقت من سوق الإصدار، وبذلك فقدنا، وربما ما زلنا نفقد، أجزاء مهمة من ذاكرتنا الوطنية، فكل صحيفة شاهد على مرحلة، وكل عدد منها صفحة من الذاكرة الجماعية التي لا يجوز أن تضيع بين غبار المخازن والنسيان.

وما يقدمه الأخ معز النقيب، بجهد شخصي، يستحق الشكر والتقدير، فهو لا ينشر صفحات صحف قديمة فحسب، بل يعيد إلينا أجزاء من تاريخنا الصحفي والاجتماعي والسياسي. غير أن مثل هذا الجهد، على أهميته ونبله، ينبغي ألا يبقى مسؤولية فرد، مهما بلغ إخلاصه واتسعت مقتنياته، فذاكرة وطن أكبر من أن توضع على كاهل شخص واحد.

ومن هنا، نأمل من الإخوة الأعزاء في دار الكتب والوثائق السعي إلى إعداد أرشيف صحفي رقمي وطني شامل، يضم ما يتوافر لديها من إصدارات الصحف والمجلات العراقية منذ بدايات الصحافة في بلادنا، وفق فهرسة علمية دقيقة تتيح البحث باسم الصحيفة وتاريخ العدد والكاتب والموضوع، وأن يكون هذا الأرشيف متاحاً للباحثين والصحفيين والطلبة والمهتمين، وصولا إلى اليوم الذي يستطيع فيه أي عراقي، من داخل البلاد أو خارجها، أن يستعيد بضغطة زر صفحة من تاريخ وطنه.

وقد يكون من المفيد أيضاً إطلاق حملة وطنية تدعو الأسر والزملاء القدامى وهواة جمع الصحف إلى إتاحة ما يحتفظون به من أعداد نادرة لغرض تصويرها ورقمنتها وإعادتها إلى أصحابها، فربما توجد في مكتبة منزلية صغيرة نسخة وحيدة من صحيفة اختفت نسخها من المكتبات الرسمية، وبإنقاذها نكون قد أنقذنا قطعة من تاريخ العراق.

وفي الختام، يمكن القول بقوة إن الحفاظ على أرشيف الصحف ليس ترفا فكريا، بل مسؤولية وطنية تمس جوهر الذاكرة الجماعية، لأن فقدانه يعني فقدان أحد أهم المصادر التي سيعود إليها مؤرخو المستقبل لمعرفة كيف عاش العراقيون، وماذا كتبوا، وبماذا حلموا، وما القضايا التي شغلتهم.

والحفظ الرقمي اليوم لا يقل أهمية عن الحفظ الورقي، بل أصبح الضامن لاستمرار الوصول إلى هذه الكنوز المعرفية وحمايتها من التلف والضياع.

فالصحيفة التي تنتهي صلاحيتها كخبر في اليوم التالي، تبدأ قيمتها كوثيقة للتاريخ في اليوم نفسه.

فهل أدركنا هذه الحقيقة؟

Z_alhilly@yahoo.com

 

 


مشاهدات 60
الكاتب زيد الحلي
أضيف 2026/08/29 - 1:36 PM
آخر تحديث 2026/08/30 - 1:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 166 الشهر 39592 الكلي 16129296
الوقت الآن
الأحد 2026/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير