HEPIQ.. التحول الرقمي في الجامعات وأسئلة الكلفة والشفافية
اكرم سالم
لا خلاف على أن التحول الرقمي أصبح ضرورة في الجامعات العراقية، ولا يمكن لجامعة حديثة أن تستمر بالاعتماد على المعاملات الورقية والأنظمة المتفرقة في إدارة ملايين البيانات المتعلقة بالطلبة والدرجات والمقررات والامتحانات. ومن هذا المنطلق جاءت منظومة HEPIQ التي تقدمها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بوصفها مشروعاً واسعاً للتحول الرقمي، يرتبط بأنظمة متعددة، وفي مقدمتها نظام معلومات الطلبة SIS.
لكن كل مشروع رقمي بهذا الحجم لا يقاس فقط بما يقدمه من خدمات، وإنما أيضاً بحجم التعقيد والكلفة وآليات التعاقد والتنفيذ والجهات التي تقف خلفه.
وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا إثارة للاهتمام بالنسبة للطالب العراقي: الكلفة التي كانت تترتب عليه لقاء خدمات المنصة.
فقد كان الطالب يدفع مبلغ 66 ألف دينار عراقي لقاء الخدمة، بحسب ما كان معمولاً به سابقاً في عدد من المؤسسات الجامعية، إلا أن هذا المبلغ تم حذفه لاحقاً. ولكن لا ندري مدى صحة المعلومة حيال حذف هذا الرسم اءذ اختلفت الردود عنه فمن ءقال انها باقية ئئئومن يقول لا نعرف حتى ينجلي الامر حين انفتاح التسجيل من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلميوهنا نقول انه مازال محاطا بالغموض والتضارب . لكن حذف الرسم لا يلغي الأسئلة التي أثارها وجوده سابقاً او ربما مازالت قائمة وتلك مصيبة كبيرة تتطلب التوقف والمراجعة ؛ بل ربما يجعل السؤال أكثر أهمية: لماذا فُرض اصلا ؟ وكيف حُددت قيمته؟ وما الجهة التي كانت تستوفيه؟ وعلى أي أساس تعاقدي وقانوني؟ ومن كان المستفيد النهائي من الإيرادات التي كانت تتولد عنه؟
وإذا افترضنا، على سبيل المثال، أن الرسم كان يطبق على أعداد كبيرة من الطلبة، فإن مجرد ضرب عدد الطلبة في 66 ألف دينار يعطي رقماً يستحق التوقف عنده، ليس لإثبات وجود مخالفة، وإنما لفهم الحجم الاقتصادي المحتمل للخدمة.
صورة واضحة
وفي الوقت نفسه، ينبغي الفصل بين HEPIQ وبين SIS. فالتركيز الحالي في الجامعات العراقية يتجه بصورة واضحة إلى نظام معلومات الطلبة SIS، الذي يمثل قاعدة أساسية لإدارة البيانات الأكاديمية للطالب، من التسجيل والمرحلة الدراسية والمقررات وصولاً إلى الدرجات والنتائج والترحيل. أما HEPIQ فهي منظومة أوسع تضم مجموعة من الأنظمة والخدمات الرقمية.
وهذا يقود إلى سؤال أكثر جوهرية: من يقف تقنياً واقتصادياً وراء هذه المنظومة؟
المعلومات المنشورة على بعض المواقع الرسمية المرتبطة بالخدمة تشير إلى اسم شركة ORANGEEY PRODUCTIONS LIMITED بوصفها الجهة المطورة، فيما تظهر بيانات الشركات البريطانية وجود شركة بهذا الاسم مسجلة في المملكة المتحدة. هذه المعلومات لا تعني بحد ذاتها وجود مخالفة، ولا تكفي للحكم على كفاءة الشركة أو طبيعة علاقتها التعاقدية بالمنظومة.
لكن من حق الرأي العام والطلبة معرفة التفاصيل: ما قيمة العقد؟ كيف تمت الإحالة؟ ما طبيعة العقد: تطوير أم تشغيل أم صيانة أم استضافة؟ ما مدة التعاقد؟ وما الكلفة التي تتحملها الدولة أو الجامعات؟ وهل توجد شركات أخرى مشاركة في التنفيذ؟ وما العلاقة الدقيقة بين الجهات المنفذة وبين الوزارة والجامعات؟
إن السؤال هنا ليس ضد الرقمنة، بل هو في صميم نجاحها.
فالطالب العراقي الذي يستخدم منظومة رقمية لإدارة مستقبله الأكاديمي من حقه أن يعرف كيف تُدار بياناته، ومن يملك البنية التقنية التي تحفظها، ومن المسؤول عن حمايتها، وكيف يتم الإنفاق على هذه المنظومة.
لقد أصبح حذف مبلغ الـ66 ألف دينار خطوة تنهي الجدل حول الرسم الحالي، لكنها لا تجيب بالضرورة عن الأسئلة المتعلقة بالرسم السابق وبالكلفة الكلية للمشروع وبالجهات المنفذة.
والتحول الرقمي الحقيقي لا يحتاج فقط إلى خوادم وقواعد بيانات وتطبيقات حديثة؛ إنه يحتاج أيضاً إلى شفافية كاملة.
فكلما اتسعت المنظومة، واتسعت معها كمية بيانات الطلبة والأموال المرتبطة بها، أصبح من الضروري أن تكون العقود والتكاليف وآليات الإحالة والجهات المنفذة واضحة أمام المجتمع. ان
HEPIQ قد تكون خطوة مهمة نحو جامعة عراقية رقمية، لكن نجاحها الحقيقي لن يقاس بعدد الأنظمة التي تضمها بصورة متكاملة ومترابطة، بل بمدى كفاءتها، وأمن بياناتها مع الحفاظ على الخصوصية ومنع التهكير ، وكلفتها، وشفافية الجهات التي تقف خلفها.
استاذ الادارة الاستراتيجية ونظم المعلومات كلية الادارة والاقتصاد جامعة دجلة