الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
«رسائل رجل أحمق»... كتابٌ يخلع الأقنعة عن وجه الإنسان


«رسائل رجل أحمق»... كتابٌ يخلع الأقنعة عن وجه الإنسان

حامد الضبياني

 

قريبًا يصدر كتابي الجديد «رسائل رجل أحمق»، تأليف حامد الضبياني، بتقديم الكاتب هاتف الثلج والصحفي كامل الخيلاني، عن دار هاتف الثلج للنشر؛ وهو كتاب لا أريده أن يمرّ على القارئ بوصفه كتابًا آخر يضاف إلى رفوف المكتبة، بل بوصفه تجربة إنسانية وفكرية تضع القارئ أمام مرآة قد لا يحب أن يرى صورته فيها.

«رسائل رجل أحمق» عنوان يبدو للوهلة الأولى ساخرًا، لكنه يخفي خلف سخريته سؤالًا بالغ القسوة: من هو العاقل في عالمٍ يتفنن أهله في ارتداء الأقنعة؟ ومن هو الأحمق فعلًا؛ ذلك الذي يرى الحقيقة ويقولها، أم ذلك الذي يعرفها ثم يختار الصمت كي يعيش مطمئنًا داخل الكذبة؟

في هذا الكتاب يكتب حامد الضبياني من منطقة شديدة القرب من الإنسان؛ من الوجع الذي لا تراه الصور، ومن الغربة التي لا تقاس بالمسافة، ومن ذاكرة وطن يسكن صاحبه حتى عندما يغادره الوطن. إنه لا يكتب عن العراق بوصفه جغرافيا وحدودًا ومدنًا، وإنما يكتبه بوصفه جرحًا وذاكرة وطفولة وحبًا لا يستطيع الإنسان التخلص منه مهما ابتعد.

والكتاب، في جوهره، رحلة في أعماق الكاتب نفسه، لكنه لا يتوقف عند ذاته؛ فكلما ظن القارئ أنه يقرأ اعترافات رجل عن حياته، يكتشف أنه يقرأ شيئًا من حياته هو. هنا تتحول المعاناة الشخصية إلى سؤال عام، وتتحول الغربة إلى فلسفة، ويتحول الحب إلى امتحان للوفاء، وتتحول السخرية إلى أداة لكشف ما يحاول الإنسان إخفاءه عن نفسه قبل الآخرين.الضبياني لا يقدم الإنسان في صورته الملمعة التي يحب أن يضعها أمام المجتمع، وإنما يحاول الاقتراب من الإنسان عندما يسقط عنه اسمه ومنصبه ومكانته الاجتماعية وادعاءاته الأخلاقية. الإنسان الذي يبدل قناعه بحسب المكان، ويغيّر لغته بحسب مصلحته، ويعلن شيئًا ويخفي شيئًا آخر، ويبحث عن الحقيقة ما دامت لا تؤذيه، فإذا اقتربت الحقيقة من مصالحه بدأ بتكذيبها.ومن هنا تأتي أهمية الكتاب؛ لأنه لا يكتفي بتشخيص الألم، بل يحاول تفكيك الإنسان نفسه: لماذا نكذب؟ لماذا نخاف من الحقيقة؟ لماذا نحب الأقنعة التي نصنعها لأنفسنا؟ ولماذا يصبح الإنسان أحيانًا أكثر دفاعًا عن الوهم من دفاعه عن الحقيقة؟«رسائل رجل أحمق» لا يهاجم الإنسان من الخارج، بل يدخل إلى داخله. يفتش في تناقضاته، في ضعفه، في خوفه، في غروره، وفي تلك المسافة الغامضة بين الإنسان الذي يدّعي أنه هو، والإنسان الذي يكونه فعلًا عندما لا يراقبه أحد.والأجمل أن الكتاب لا يتعامل مع العراق باعتباره خلفية للأحداث، بل باعتباره شخصية حاضرة في كل صفحة؛ عراق الفقراء، عراق الذاكرة، عراق الذين أحبوه رغم خيباته، عراق الإنسان الذي حمل وطنه معه حتى صار الوطن حقيبة لا يستطيع وضعها أرضًا.إن حب الوطن في «رسائل رجل أحمق» لا يأتي على هيئة شعارات جاهزة، وإنما يظهر في الحنين، وفي الألم، وفي الأسئلة، وفي ذلك العتاب الطويل الذي لا يوجهه الإنسان إلا لمن يحب. فالوطن الذي لا نحبه لا نعاتبه، والوطن الذي لا يعني لنا شيئًا لا يوجعنا غيابه.ولعل المفارقة الكبرى في الكتاب أن صاحبه يسمي نفسه «رجلًا أحمق»، بينما يمارس فعلًا فكريًا شديد الوعي؛ فهو يستخدم كلمة «الأحمق» كمرآة ساخرة لعالم قد يكون فيه الصادق هو الغريب، والمخلص هو الساذج، ومن يقول الحقيقة هو الذي يحتاج إلى تبرير نفسه، بينما يستطيع المنافق أن يعيش بكامل أناقته الاجتماعية.

لهذا يمكن قراءة الكتاب بأكثر من طريقة: يمكن أن يقرأه القارئ بوصفه سيرة وجع، ويمكن أن يقرأه بوصفه اعترافات رجل عاش ما يكفي ليكتشف أن الإنسان أعقد من الصورة التي يرسمها لنفسه، ويمكن أن يقرأه بوصفه نصًا فلسفيًا عن الأقنعة والحقيقة، ويمكن أن يقرأه ببساطة كرسائل كتبها رجل لم يعد يريد أن يجامل أحدًا، حتى نفسه.

إنها رسائل لا تبحث عن الشفقة، ولا تستجدي التصفيق، وإنما تبحث عن قارئ يمتلك شجاعة النظر إلى المرآة.وحين يصل القارئ إلى آخر صفحات «رسائل رجل أحمق»، قد يكتشف المفارقة التي أراد الكاتب أن يتركها معلقة في الهواء: ربما لم يكن الرجل أحمق كما ظن، وربما كان العالم هو الذي أقنعه بذلك لأنه قال أشياء لا يريد العالم سماعها.«رسائل رجل أحمق» ليس كتابًا عن رجل واحد؛ إنه محاولة لكتابة الإنسان عندما تسقط عنه كل الأقنعة، ومحاولة للعودة إلى الوطن عندما يصبح الوطن فكرة تسكن القلب أكثر مما يسكنها الجسد.


مشاهدات 65
الكاتب حامد الضبياني
أضيف 2026/09/02 - 2:55 PM
آخر تحديث 2026/09/03 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 163 الشهر 3674 الكلي 16136195
الوقت الآن
الخميس 2026/9/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير