الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يبلغ الإنسان السبعين

بواسطة azzaman

حين يبلغ الإنسان السبعين

محمد خضير الأنباري

 

حينَ يبلغُ الإنسانُ السبعون، لا يعودُ يرى الحياة بعينِ الشابِ، الذي كانَ يركضُ خلفَ كلِ شيء؛ فقدْ علمته السنواتِ، أنَ كثيرا مما أقلقهُ يوم لمْ يكنْ يستحقُ القلق، وأنَ أشياءَ كثيرةً ظنَ أنها ضروريةٌ لمْ تكنْ في النهايةِ إلا عابرا منْ متاعِ الدنيا.

  في السبعينَ تهدأُ النفس، تنضجُ الرؤية، يصبحُ الصمتُ أبلغَ منْ الكلام؛ ليسَ عجزا عنْ الحديث، وإنما لأنَ الإنسانَ يتعلمُ أنْ ليسَ كلُ ما يعرفُ يقال، وليسَ كلّ ما يقال: يستحقُ أنْ يقال، فيختارُ كلماتهِ بعناية، ويبتعدُ عنْ الغيبةِ والنميمةِ والجدال، ويدركُ أنَ راحةَ القلبِ أثمنُ منْ انتصارٍ في خصومة، وأنَ السلامَ الداخليَ أغلى منْ إقناعِ الآخرينَ برأيه.

 في هذهِ المرحلةِ، يميلُ الإنسانُ إلى الهدوءِ والعزلةِ الجميلة؛ يأنسُ ببيته، وذكرياته، وأهله، ويجدُ في لحظاتِ التأملِ راحة لا تمنحها ضوضاء الحياة، ويصبحُ ذكرُ اللهِ أقربَ إلى القلبِ منْ أيِ وقتٍ مضى؛ يستيقظُ على الذكر، ويختمُ يومهُ به، ويجدُ في القربِ منْ اللهِ وطنا لا يغادره.

  بعدَ السبعين، تتساقطُ منْ القلبِ أشياءُ كثيرة: رغبةُ إثباتِ الذات، واللهاثِ خلفَ رضا الناس، والحزنِ على ما فات، والوقوف طويلاً أمامَ أبوابٍ أغلقت.

   يعرفُ الإنسانُ، أنَ بعضَ الرحيلِ رحمة، وبعض الصمتِ حكمة، وبعض التجاهلِ عافية، وأنَ العمرَ أقصرُ منْ أنْ يهدرَ في خصوماتٍ لا تستحق، لمْ يعدْ يبحثُ عنْ كثرةِ الأشياء، بلْ عنْ بركتها؛ ولا عنْ كثرةِ الناسِ منْ حوله، بلْ عنْ قلوبٍ صادقةٍ تطمئنُ إليها روحه..   لا يريدُ منْ الحياةِ أنْ تعطيهُ كلّ شيء، وإنما يريدُ ما بقيَ منها هادئا، طيبا، مباركا؛ قلبا سليما، ولسانا ذاكرا، ونفسا راضية، وذكرى حسنة تبقى بعدَ الرحيل. وكأنَ السبعينَ تقولُ للإنسان: لقدْ مضى أكثرُ الطريق، فلا تكثر الالتفاتُ إلى ما مضى، ولا ترهقُ نفسك بما لمْ يأت.. ما مضى أصبحَ درسا، وما بقيَ نعمة؛ فاحشا ما تبقى بقلبٍ أخف، وروحا أصفى، وتعلق أكبر باللهِ تعالى. فالسنونَ تمضي، والأجساد تضعف، والدنيا ترحلُ بأهلها، ولا يبقى للإنسانِ إلا ما قدمَ منْ خير، وما تركَ منْ أثرٍ طيب، وما كانَ بينهُ وبينَ ربهِ منْ سريرةٍ صالحة.

   طوبى لمنْ بلغَ السبعين، وقلبه لا يزالُ يعرفُ طريقهُ إلى الله، ولسانهِ لا ينطقُ إلا خيرا، ونفسه لا تحملُ إلا الصفح، ويده تمتدُ بالعطاء، وروحهِ مطمئنة إلى رحمةِ الله.

    اللهم، اجعلْ ما بقيَ منْ أعمارنا خيرا مما مضى، واملأْ قلوبنا سكينة ورضا، واغفرْ لنا تقصيرنا، وأحسنْ خاتمتنا، واجعلْ آخر كلامنا شهادة أنَ لا إلهَ إلا الله .

 إنْ باعدتْ بيننا الأيام، فليسَ الوداع الأخير؛ فهناكَ لقاء عندَ ربٍ رحيم، حيثُ لا فراق، ولا وجع، ولا شيخوخة، ولا رحيل.

 


مشاهدات 19
الكاتب محمد خضير الأنباري
أضيف 2026/09/02 - 2:45 PM
آخر تحديث 2026/09/03 - 1:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 163 الشهر 3674 الكلي 16136195
الوقت الآن
الخميس 2026/9/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير