الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
معركة صياغة العلاقة بين السلطة والمال العام

بواسطة azzaman

معركة صياغة العلاقة بين السلطة والمال العام

أكرم عبد الرزاق المشهداني

 

عملية « *صولة الفجر*  لم تكن مجرد ملاحقة لعدد من المتهمين بالفساد، من صغار الحيتان، بل هي اختبار لقدرة الدولة العراقية على استعادة احتكارها الفعلي للقرار وللقانون، بصفته مصدرا للشرعية وليس مجرد اداة للعقاب، والدولة تنتصر فعلا و فقط عندما تجعل النفوذ عاجزا عن حماية اصحابه.

يشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) إلى أن مكافحة الفساد تصبح أكثر فاعلية عندما تقترن بإصلاحات تقلل السلطة التقديرية، وتعزز الشفافية، وتوسع المساءلة المستقلة. لذلك، فإن نجاح “صولة الفجر” لن يتحدد بعدد أوامر القبض أو الأموال المستردة، بل بقدرتها على إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمال العام بحيث يصبح الامتثال للقانون الخيار الأكثر عقلانية لجميع الفاعلين.

جهازها اداري

ويرى بعض علماء الاجتماع ”أن جوهر الدولة لا يكمن في اتساع جهازها الإداري، وإنما في احتكارها المشروع لاستخدام القوة بما يضمن سيادة القانون. ويذهب أحد الاقتصاديين المشهورين إلى أن “الفارق بين الدول الناجحة والمتعثرة لا تصنعه الموارد، بل المؤسسات القادرة على إخضاع أصحاب النفوذ للقواعد ذاتها التي يخضع لها الجميع، فيما تؤكد الخبيرة في مجال الاقتصاد السياسي “سوزان روز” أن الفساد لا يستمر بسبب الأفراد، وإنما لأن المؤسسات تجعل مخالفته أقل كلفة من الالتزام بالقانون.

وحيث ان معاناة العراق من «منظومة الفساد»، هي أكبر من معاناته من الفاسدين كأشخاص، فقد تغوَّل الفساد في عراق ما بعد 2003 حتى صار منظومة مستفحلة يحمي بعضها بعضا، وان تاريخ الفساد ومافيات الفساد في العالم اثبت ان الدولى لا تنتصر فقط عندما تعتقل الفاسدين، بل تنتصر حين تنجح في جعل النفوذ عاجزا عن حماية اصحابه ورفاقه في منظومة الفساد.

والعراقيون الشرفاء يخشون ان تكون محاولة جديدة لاعادة توزيع مراكز القوة داخل منظومة الفساد نفسها دون تغيير منطقها ونفوذها المدمر. الاقتصادي المؤسسي “دوغلاس نورث” يرى أن المؤسسات ليست مجرد قوانين مكتوبة، بل هي الحوافز التي تحدد سلوك الفاعلين السياسيين والاقتصاديين. وفي الاقتصادات الريعية، حيث تعتمد الدولة على توزيع الريع أكثر من اعتمادها على الإنتاج، يصبح المنصب العام أداة لتوزيع المنافع وبناء الولاءات، لا مجرد موقع إداري. وهنا يغدو الفساد نتيجة منطقية لبنية الحوافز، وليس انحرافًا فرديًا عنها.

عقد سياسي

فهل يقف العراق على أعتاب إعادة تأسيس عقد سياسي جديد تكون فيه المؤسسات أقوى من الأشخاص، أم أن المستقبل سيشهد تبدل الفاعلين بينما تبقى قواعد إنتاج السلطة والفساد على حالها؟

ويبقى السؤال الأعمق هو : هل يستطيع النظام السياسي العراقي إنتاج مؤسسات تفرض قيودًا على القوى التي أنشأته، أم أن كل إصلاح سيظل محكومًا بحدود التوازنات التي ولد منها؟

إن القيمة التاريخية لأي حملة لمكافحة الفساد لا تُقاس بما تسجله وتضبطه من قضايا، بل بما تؤسسه من قواعد جديدة لإدارة الدولة.

فالدول لا تنتقل إلى الحكم الرشيد عندما يصبح الفساد أكثر خطورة فحسب، بل عندما يصبح احترام القانون أكثر ربحًا واستقرارًا من تجاوزه.

 

 مستشار أمني وقانوني وخبير مسجل بالأمم المتحدة في بمكافحة الفساد


مشاهدات 18
الكاتب أكرم عبد الرزاق المشهداني
أضيف 2026/07/15 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/07/16 - 12:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 70 الشهر 16410 الكلي 15921537
الوقت الآن
الخميس 2026/7/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير