بين زمانين.. في حضرة لجنة القبول وبهاء المعايير
عبد المنعم حمندي
لم يكن العبور إلى "اتحاد الأدباء العراقيين" في سبعينيات القرن الماضي مجرد معاملة إدارية تُطوى ببطاقة عضوية، بل كان امتحاناً عسيراً للذائقة، واعترافاً شاقاً بالشاعرية لا يمنحه إلا حراس المعبد الحقيقيون.
في تلك الحقبة، كان "سعدي يوسف" و"سامي مهدي" يقفان في لجنة القبول كمرصدين للجمال؛ وكان سعدي، على رقته وتمرده، أشد صرامةً وضيقاً بالـ "نظّامين" من زميله سامي مهدي. وأذكر كدليل على تلك الحقبة الشديدة، أن شاعراً عمودياً من جيل الخمسينيات، يحمل في جعبته تسع مجموعات شعرية مطبوعة، ويحظى بعضوية "جمعية المؤلفين والكتاب العراقيين"، تقدّم بطلبه للاتحاد.. فجاءه الرد بالرفض!
في منتصف السبعينيات، ضمّتني جلسة دافئة في نادي الاتحاد مع الشاعرين الكبيرين، فور خروجهما من اجتماع حاسم للجنة القبول. كان السجال بينهما ما يزال ساخناً، يفيض برؤى عميقة حول مفهوم "الحداثة" ومعايير الإبداع. دار الخلاف يومها حول مفارقة مدهشة: لقد صادقت اللجنة على قبول شاعر شاب لم ينشر سوى أربع قصائد يتيمة ولم يصدر له ديوان بعد، في حين أوصدت أبوابها بوجه صاحب المجموعات التسع!
كان النقاش بين القطبين درساً بليغاً في ماهية الشعر؛ فاتفقا على أن الموسيقى الخارجية ومعرفة العروض وإتقان النظم لا تصنع شاعراً، كما أن التحلل العشوائي من القيود وتقديم نصوص مفككة تخلو من البيان والجمال لا يخلق مبدعاً. الشاعرية تكمن في ابتكار اللغة، واقتناص الرموز والإيحاءات، والاتكاء على الموسيقى الداخلية التي تهمس للروح.
أذكر يومها قول سعدي يوسف بنبرته الواثقة:
"إن استخدام لغة حية معاصرة لدى شاعر يافع، لهو أثمن وأبهى من نظم محكم يقتات على التقليد."
بينما ركز سامي مهدي على المقومات الفلسفية والبلاغية للقصيدة، مؤكداً على ضرورة أن يحمل النص بعداً تأملياً يغوص في أسئلة الوجود والكون والإنسان.
هكذا كانت تُصان الكلمة عندما كان عدد أعضاء الاتحاد لا يتجاوز الأربعمئة أديب أو يزيدون قليلاً.. نخبة صفّاها الغربال الإبداعي بدقة متناهية.
الانعطافات الكبرى وتراجع المعايير
بدأت ملامح التخفيف من هذه الشروط الصارمة تتسلل مع صدور قانون الاتحاد العام للأدباء والكتاب في القطر العراقي رقم (70) لسنة 1980، حيث دُمجت الجمعيات الثقافية للقوميات المختلفة والرابطة الأدبية في النجف الأشرف وغيرها في إطار تنظيم موحد، ليرتفع عدد الأعضاء سريعاً ويقترب من الألف.
أما الشرخ الأعمق والخرق الذي أطاح بالهيكل الشرعي، فكان في عام 1993، حين اتخذ عدي صدام حسين — بصفته رئيساً للتجمع الثقافي آنذاك — قراراً قسرياً بضم "منتدى الأدباء الشباب" إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب. وفي المؤتمر الذي دُعي إليه لفرض هذا الاندماج واختيار قيادة شبابية جديدة، آثرت الهيئة القيادية الشرعية للاتحاد الانسحاب والاحتجاج بشرف رفضاً لإملاءات السلطة وابن الرئيس. وكان هذا التجاوز بمثابة عاصفة الريح التي شرّعت الأبواب لاحقاً لخروقات أوسع غيّرت ملامح المؤسسة العريقة.
اليوم، ونحن ننظر إلى المشهد بكثير من التساؤل والترقب، لا نعلم كم بلغت أعداد المنتمين إلى مظلة الاتحاد، وأي معايير باتت تحكم لجان القبول؟
إننا، ومن باب الحرص والمحبة، نتوجه بالرجاء إلى الهيئة القيادية الحالية للاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، لمراجعة هذه التراكمات واستعادة الهيبة التاريخية لهذا الصرح العريق، من خلال ردم فجوات الماضي، ومعالجة الأخطاء، وإعادة تفعيل شروط القبول وفق معايير إبداعية خلاقة وجمالية صارمة.. ليبقى الأدب محراباً للمبدعين، لا ملاذاً للعابرين.