هند كامل.. بين قرار التكليف وضجيج التأويل
هدير الجبوري
ما إن يُعلن عن تكليف شخصية ثقافية أو فنية بمنصب رسمي، حتى تنطلق على مواقع التواصل الاجتمــــــاعي موجة مــــن الأحكــــــــــام الجاهـــــــزة، لا تناقـــــــــش الكفاءة بقدر ما تبحث في الماضي الشخصي، ومكان الإقامة، وسنوات الغياب، وكأن الانتماء للوطن أصبح يقاس بعدد السنوات التي قضاها الإنسان داخله، لا بما قدمه له قبل الغربة وبعدها.
ولعل ما أثير أخيراً بشأن تكليف الفنانة العراقية هند كامل مستشارة ثقافية في وزارة الثقافة، يمثل نموذجاً واضحاً لهذه الظاهرة. فبدلاً من مناقشة جدوى التكليف أو طبيعة الدور الذي ستؤديه، انشغل كثيرون بترديد عبارات من قبيل: «كانت تعيش خارج العراق»، و»لم تعانِ ما عاناه العراقيون»، و»ظهرت فجأة لتنال منصباً».
لكن هل يكفي هذا وحده لإدانة أي شخص؟
الغربة ليست جريمة، ولم تكن يوماً دليلاً على ضعف الانتماء. آلاف العراقيين غادروا بلادهم في ظروف سياسية أو أمنية أو مهنية أو عائلية، وكثير منهم ظل يحمل العراق في قلبه، وعاد إليه عندما سنحت الفرصة، أو ظل يخدمه من مكان إقامته.
أما هند كامل، فهي ليست اسماً طارئاً على المشهد الفني العراقي حتى يقال إنها ظهرت فجأة. إنها فنانة معروفة منذ سنوات طويلة، تنتمي إلى أسرة فنية عريقة؛ فهي ابنة الفنانة القديرة فوزية الشندي، وشقيقة الفنانة المتميزة هديل كامل، وقدمت أعمالاً تركت حضورها في ذاكرة المشاهد العراقي.
ومن الطبيعي أن ترافق زوجها، المخرج العراقي الكبير فيصل الياسري، خلال سنوات عمله خارج العراق، كما فعلت آلاف الزوجات مع أزواجهن. وبعد رحيله عادت إلى وطنها واستقرت فيه، واستمرت في ممارسة نشاطها الفني كلما أتيحت لها الفرصة، وكان آخرها برنامجها الرمضاني الذي استضاف عدداً من رموز الشاشة العراقية، فضلاً عن إصرارها على إكمال دراستها العليا داخل العراق، حتى نالت درجة الماجستير، في رسالة واضحة تؤكد ارتباطها ببلدها ورغبتها في أن يكون عطاؤها منه وإليه.
ومن المؤسف أن تتحول مواقع التواصل إلى محكمة لإطلاق الصفات؛ فيُقال عن شخص إنه متعالٍ أو مغرور، من دون معرفة حقيقية به. وأقول هذا عن تجربة شخصية، فقد التقيت الفنانة هند كامل قبل نحو عامين أثناء إجراء حوار صحفي معها لجريدة (الزمان)، فلم أجد إلا إنسانة راقية في تعاملها، رحبة الصدر، كريمة في استقبالها، بل أصرت على استضافتي في منزلها، تقديراً لكوني قادمة من محافظة أخرى. كانت تلك صورة إنسانية بعيدة تماماً عن الأوصاف التي يرددها البعض.
ولا يعني هذا أن الساحة العراقية تخلو من شخصيات أخرى تستحق التكليف، على العكس، فالعراق زاخر بالمبدعين والفنانين والمثقفين الذين يملكون الخبرة والكفاءة، ومن حق الجميع أن يناقشوا معايير الاختيار، وأن يطالبوا بإشراك الكفاءات المختلفة، لكن هذا شيء، والطعن في الأشخاص أو التقليل من تاريخهم أو تخوينهم لمجرد أنهم عاشوا خارج العراق شيء آخر تماماً.
إن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، والنجاح فيه هو الفيصل الحقيقي. وإذا أخفق المسؤول فسيحاسبه عمله، وإذا نجح فسيكون نجاحه للعراق قبل أن يكون لنفسه.
لسنا بحاجة إلى أن نحول كل قرار إلى معركة، ولا أن نوزع شهادات الوطنية وفق أماكن الإقامة. فالوطن يتسع لمن بقي فيه وصبر، كما يتسع لمن اضطر إلى الرحيل ثم عاد إليه حاملاً خبرته ومحبته.
ويبقى الحكم العادل دائماً على ما يقدمه الإنسان، لا على المكان الذي عاش فيه، ولا على الصور التي ينشرها، ولا على الروايات التي يصنعها الآخرون عنه. فالأوطان تُبنى بالكفاءات والإنجازات، لا بالمزايدات، ولا بمحاكمات النوايا...